تعارُضَ بينَ الروايتين، لأنَّ الابتداءَ حقيقيٌّ وإضافيٌّ، فبالبَسملَةِ حصَلَ الحقيقيُّ , وبالحمدلةِ حَصَلَ الإضافيُّ , أيْ بالإضافةِ إلى غيرِهما، وقدَّم البسملةَ، عمَلًا بالكتابِ والإجماعِ.
و"اللهِ"عَلَمٌ للذاتِ الواجبِ الوجودِ المستَحِقِّ لجميعِ المحامدِ و"الرحمنِ الرحيمِ"وصفان بُنِيَا من الرحمةِ للمبالغةِ، وقَدَّمَ"الرحمنِ"لأنه أبلغُ، لأن الزيادةَ في المبنى تدلُّ على زيادةِ المعنى كما في"قَتَلَ وقَتَّلَ"، ومن ثَمَّ أَطلقَ جماعةٌ"الرحمنِ"على مُفيضِ جلائلِ النِّعَمِ و"الرحيمِ"على مُفيضِ دقائقِها.
قال الناظمُ:
1.يقولُ راجي عفوِ ربٍّ سامعِ محمَّدُ بنُ الجزريِّ الشافعِي
هذا من مقدِّمةِ الناظمِ، (يقولُ راجي عفوِ ربٍّ سامعِ) ، أي مؤَمِّلٌ صفْحَ مالِكٍ، أي يقولُ محمَّدٌ الذي طَمَعَ في صفْحِ سيِّدِه، ومالكِه السامعِ لرجائه ليُجيبَه لِمَا رجاهُ تَفَضُّلًا منه وامتنانًا، وقولُه: الجَزْرِيُّ، نِسبةً إلى جزيرةِ ابنِ عمرَ من أهلِ برقعيدَ وهي مناطقُ إقليمِ زاخو - تركيا الآنَ - شمالَ نهرِ دجلةَ، (والشافعيُّ) نسبةً إلى الشافعيِّ، إمامِ الأئمَّةِ، وسلطانِ الأمَّةِ، محمَّدِ بنِ إدريسَ بنِ العبَّاسِ بنِ شافعِ بنِ السائبِ بنِ عُبيدِ بنِ عبدِ يزيدَ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ جَدِّ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
2.الحمدُ للهِ وصلَّى اللهُ ... على نبيِّه ومُصطَفاهُ
(الحمدُ للهِ) ، مَقولُ القَوْلِ، و"أل"فيه للاستغراقِ أو للجنسِ أو للعهدِ وعلى كلٍّ منها يفيدُ اختصاصَ الحمدِ باللهِ، والحمدُ هو الثناءُ باللسانِ على الجميلِ الاختياريِّ على جهةِ التبجيلِ والتعظيمِ سواءً كان في مقابلةِ نعمةٍ أو لا، والمدحُ مثلُه لكنْ كونُه منعِمًا بحذفِ لفظةِ الاختياريِّ تقولُ:
حَمِدْتُ زيدًا على عِلمِه وكرمِه، ولا تقولُ: حَمِدْتُه على حُسنِه بل مدحتُه، والشكرُ فِعلٌ يُنبِئُ عن تعظيمِ المنعِم بسببِ إنعامِه على الشاكرِ أو غيرِه قولًا وعملًا، فهو أعمُّ منهما.
والمدحُ أعمُّ من الحمدِ مطلقًا وعَطَفَ على الحمدِ للهِ قولَه (وصلى اللهُ) وهي جملةٌ لفظُها لفظُ الخبرِ، ومعناها الإنشاءُ، والصلاةُ من اللهِ رحمةٌ ومن الملائكةِ استغفارٌ، ومن الآدميين تضرُّعٌ ودعاءٌ، والصلاةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واجبةٌ في العُمرِ مرَّةً واحدةً، بدليلِ مطلَقِ الأمرِ في قولِه تعالى: {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: آية 56) ، وكان يَنبغي للناظمِ أن يذكرَ السلامَ، لأنَّ إفرادَ الصلاةِ عنه مكروهٌ كعكسِه لاقترانِها في قولِه تعالى {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، وتُستحبُّ فيما عَداها ويَتأكَّدُ الاستحبابُ عندَ سماعِ ذِكرِها والأحاديثُ في فضلِها كثيرةٌ، منها قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (مَنْ صَلَّى علَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) ، وقولُه على (نبيِّه) ، النبيُّ: إنسانٌ أُوحيَ إليه بشرعٍ مقرِّرٌ لشرعِ رسولٍ سبَقَه. وقولُه"ومُصطفاهُ"مأخوذٌ من الصفْوَةِ، وهيَ الخُلوصُ، أي مُختارُه، فاللهُ اصطفى سيِّدَنا مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وفضَّلَه على سائرِ الخلقِ، فقد روى الشيخان: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ) ، وفي صحيحِ مُسلِمٍ: (إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ مِنْ خِيَارٍ) .
ثم كمَّلَ الناظمُ فقالَ:
3.محمَّدٍ وآلِه وصحبِهِ ... ومُقرئِ القرآنِ مع مُحِبِّهِ