وحروفُ الانذلاقِ ستَّةٌ، جمَعَها الناظمُ في قولِه"فَرَّ من لُبِّ"وهي الفاءُ، والراءُ، والميمُ، والنونُ، واللامُ، والباءُ، أيْ: فَرَّ الجاهلُ من العاقلِ.
الصفةُ العاشرةُ: الإصماتُ، وهو ضِد الذَّلاقةِ وحروفُ الإصماتِ ثلاثةٌ وعشرون، وهي الباقيةُ من حروفِ"فَرَّ من لُبِّ"، والإصماتُ لغةً: المنعُ، واصطلاحًا: منعُ حروفِه من الانفرادِ بتكوينِ الكلماتِ المُجرَّدةِ الرباعيَّةِ والخماسيَّةِ، أي أن كلَّ كلمةٍ على أربعةِ أحرُفٍ أو خمسةِ أصولٍ لابدَّ أن يكونَ فيها مع الحروفِ المُصمتَةِ حرفٌ أو أكثرُ من الحروفِ المُذلقَةِ، وإنما فَعلوا ذلك لخفَّتِها فعادَلوا بها الثقيلةَ، ولذلك حَكموا بأن عَسْجَدَ اسمٌ للذهبِ أعجميٌّ، ووصِفتْ تلك الحروفُ بالإصماتِ لأنهم أَصمتوها، أيْ: مَنعوها، ولم يَجعلوا منها رُباعيًّا، أو خُماسيًّا، وجَعلوها صامتةً فلم يَنطقوا بها.
وكلمةُ عَسْطُوسٍ اسمُ شجرٍ، فقيلَ إنهما غيرُ أصليَّين في كلامِ العربِ، بل مُلحقان به، وقيلَ شاذًّا، وقيلَ غيرُ ذلك، ويُؤخذُ ممَّا تَقدَّمَ أن الحروفَ الهِجائيَّةَ موزَّعةٌ على صفَتَي الذَّلاقةِ والإصماتِ، فما كان من حروفِ"فَرَّ من لُبِّ"فمُذْلَقٌ، وما كان من غيرِها فمُصمَتٌ، وإلى هنا انتهت الصفاتُ التي لها ضِدٌّ والتي ذَكرَها الحافظُ ابنُ الجَزْرِيِّ في المقدِّمةِ في قولِه السابقِ، (صفاتُها جهْرٌ ورِخْوٌ إلى آخرِ قولِه"وفَرَّ من لُبِّ الحروفِ المذلَقةِ") .
واعلم أنه متى ثَبتَ أحدُ الضدَّيْن في عددٍ من الحروفِ يَثبتُ ضدُّه فيما بَقيَ منها، واللهُ أعلمُ.
الكلامُ على الصفاتِ التي لا ضِدَّ لها
الصفاتُ التي لا ضِدَّ لها سبعٌ، وهي: الصَّفيرُ والقَلْقَلَةُ، واللِّينُ، والانحرافُ، والتكريرُ، والتَّفَشِّي، والاستطالةُ، وفيما يلي تفصلُيها واحدةً واحدةً، وهذه الصفاتُ هي الباقيةُ بعدَ العشرةِ المتقدِّمةِ، وهي صفاتٌ اختُصَّتْ ببعضِ الحروفِ دونَ بعضٍ ولا ضِدَّ لها مسمًّى باسمٍ خاصٍّ كما في المُتضادَّةِ، وقد جمَعَها الحافظُ ابن الجَزْرِيِّ في المقدِّمةِ بقولِه:
24.صفيرُها صادٌ وزايٌ سينُ ... قَلْقَلَةُ قُطْبُ جَدٍّ واللِّينُ
25.واوٌ وياءٌ سَكَنا وانفتَحا ... قبلَهما والانحرافُ صحِّحا
26.في اللامِ والرا وبتكريرٍ جُعلْ ... وللتَّفَشِّي الشينُ ضادًا استُطِلْ
الصفةُ الأولى: الصفيرُ، وحروفُه ثلاثةٌ، وهي الصادُ، والزايُ، والسينُ، وأقواها الصادُ لما فيها من الاستعلاءِ والإطباقِ ويَليها الزايُ لما فيها من الجهْرِ، والسينُ أضعفُها لما فيها من الهمْسِ، والصفيرُ لغةً: حِدَّةُ الصوتِ، واصطلاحًا: صوتٌ زائدٌ يَصحبُ الصادَ وأختَيْها عندَ خروجِها من مَخرجِها، وسُمِّيتْ هذه الحروفُ بذلك لخروجِ صوتٍ منها مع حروفِها يُشبِهُ صوتَ الطائرِ وكلُّ ذلك تقريبٌ، وبقيَّةُ حروفِ الهجاءِ لا تُوصفُ بالصفيرِ وهي خمسةٌ وعشرون غيرُها.
الصفةُ الثانيةُ: القَلْقَلَةُ، وحروفُها خمسةٌ جَعلَها الناظمُ في قولِه"قُطْبُ جَدٍّ"، وهي القافُ، والطاءُ، والباءُ الموحَّدةُ، والجيمُ، والدالُ المهمَلةُ، والقُطْبُ، بثليثِ القافِ والضمُّ أشهرُها، وهو ما يدورُ عليه الأمرُ، والجَدُّ، العَظَمَةُ.