الصفحة 20 من 133

فإنْ قيلَ: من جمْلةِ هذه الحروفِ الغَيْنُ، والخاءُ، وهما من الحَلْقِ، فلا يَرتفعُ اللسانُ عندَ النُّطقِ بهما، أُجيبَ بأنَّ التعليلَ مَنظورٌ فيه لأكثرِ الحروفِ، وأنَّ كونَهما من الحَلْقِ بالنظرِ للظاهرِ، وإلا فقدْ قالَ العلماءُ: الاعتمادُ في جميعِ الحروفِ على اللسانِ، وحروفُ الاستِفالِ اثنان وعشرون حرفًا وهي الباقيةُ من حروفِ الهجاءِ بعد حروفِ الاستعلاءِ المتقدِّمةِ، ومن هنا يُؤخذُ أن حروفَ الهجاءِ مُوزَّعةٌ على الصفتَيْن، فما كان من حروفِ"خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ"فهو مستعْلٍ، وما كان من غيرِها فهو مستَفِلٍ، كما يُؤخذُ من التعريفِ الاصطلاحيِّ لِهَاتين الصفتَيْن، أنَّ الفرْقَ بينهما قائمٌ على ارتفاعِ اللسانِ بالحرفِ إلى الحَنَكِ الأعلى عندَ النُّطقِ به أو انخفاضِه عنه، فما كان من الحروفِ مرتفعٌ مع اللسانِ فهو مستَعْلٍ، وما كان منها منخفضٌ معه فهو مستَفِلٌ، ويترتَّبُ على صِفةِ الاستفالِ الترقيقُ لحروفِها كما يترتَّبُ على الاستعلاءِ التفخيمُ لحروفِها، وسيأتي بيانُ ذلك.

الصفةُ السابعةُ: الإطباقُ وضدُّه الانفتاحُ، والإطباقُ في اللغةِ: الالتصاقُ، واصطلاحًا: انطباقُ طائفةٍ، أيْ: جمْلةٍ من اللسانِ على الحَنَكِ الأعلى عندَ النُّطقِ بحروفِه.

23.وصادُ ضادُ طاءُ ظاءٌ مطبَقَهْ ... وفَرَّ من لُبِّ الحروفِ المُذلَقَهْ

واعلمْ أن الإطباقَ أبْلغُ وأَخصُّ من الاستعلاءِ فكونُه أبلغُ لأنَّ اللسانَ عندَ النُّطقِ بحروفِه يَرتفعُ إلى الحَنَكِ الأعلى ويَنطبقُ بخلافِ الاستعلاءِ فإن اللسانَ يَرتفعُ ولا يَنطبقُ بها، ولذلك خُصَّتْ حروفُ الإطباقِ من بينِ حروفِ الاستعلاءِ بتفخيمٍ أقْوَى، وكَوْنُ الإطباقِ أَخصُّ من الاستعلاءِ؛ لأنه يَلزمُ من الإطباقِ الاستعلاءُ ولا يَلزمُ من الاستعلاءِ الإطباقُ، فكلُّ مطبَقٍ مستعْلٍ وليس كلُّ مستَعْلٍ مطبَقًا.

الصفةُ الثامنةُ: الانفتاحُ، ومعناه في اللغةِ: الافتراقُ، واصطلاحًا: انفتاحُ ما بينَ اللسانِ والحَنَكِ الأعلى، بمعنى تَجافي كُلًّا من طائفَتَي اللسانِ والحَنَكِ الأعلى عندَ النُّطقِ بحروفِه فلا يَنحصرُ الصوتُ بينَهما، فيَخرجُ الريحُ من بينِهما.

ولذا سُمِّيَ مُنفتحًا وحروفُه أربعةٌ وعشرون حرفًا، وهي الحروفُ الباقيةُ من حروفِ الهجاءِ بعد حروفِ الإطباقِ الأربعةِ المتقدِّمةُ، ويؤخذُ من هذا أن حروفَ الهجاءِ موزَّعةٌ على الصِّفتين، فما كان من حروفِ الإطباقِ الأربعةِ فمُطبَقٌ، وما كان من غيرِها فمُنفتِحٌ كما يُؤخذُ من التعريفِ أن الفرْقَ بينَهما قائمٌ على انطباقِ اللسانِ إلى الحَنَكِ الأعلى عندَ النُّطقِ بالحرفِ أو انخفاضِه عنه.

الصفةُ التاسعةُ: الذَّلاقَةُ، ومعناها في اللغةِ: الطرَفُ، وفي الاصطلاحِ: الاعتمادُ على ذَلَقِ اللسانِ والشَّفةِ عندَ النُّطقِ بحروفِها، واعتمادُ بعضِها على ذَلَقِ اللسانِ وبعضِها على ذَلَقِ الشَّفةِ، أيْ: طرَفُهما، وقيلَ: سرعةُ النُّطقِ بالحروفِ المُذلقةِ لخروجِ بعضِها من ذَلَقِ اللسانِ، أيْ: طرَفِه، وهي اللامُ والنونُ والراءُ وبعضُها من ذَلَقِ الشَّفةِ وهو الباءُ الموحَّدةُ، والفاءُ والميمُ، ووُصِفتْ بالانذلاقِ، لكن مُقتضى ذلك أن أحرُفَ الطرَفِ جميعَها تُوصفُ بالانذلاقِ إلَّا أن يُقالُ: إن وجهَ التسميةِ لا يلزمُ اطرادُه، هذا واعترضَ بعضُهم على ذِكرِ الإصماتِ والانذلاقِ في هذا المَقامِ بأن كُلًّا منهما لا دخْلَ له في النُّطقِ بالحروفِ والكلامِ، إنما هو في صفاتٍ يُطلبُ من القارئِ مراعاتُها عندَ النُّطقِ بالحروفِ، ولعلَّ هذا هو السرُّ في عدمِ ذِكرِ الشاطبيِّ لهما، لكنَّ المحقَّقَ على الأوَّلِ، ولعلَّ وجهَ ذِكرِه لهما، أن الكلامَ فيما هو أعمُّ مما يُطلبُ مراعاتُه وغيرُه، أو أنَّ ذِكرَ الذَّلاقةِ لكونِه يُعلمُ منه مَحلُّ خروجِ حروفِه، واللهُ أعلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت