الصفحة 16 من 133

الرابعُ: أيْ: التنبيهُ الرابعُ، اعلمْ أنَّ ما تقدَّمَ بيانُه من المخارجِ هي مخارجُ الحروفِ الأصولِ، وأما مخارجُ الحروفِ الفروعِ، فكلٌّ من أَلِفَي الإمالةِ والتفخيمِ واللامِ المغلَّظةِ من مَخرجِ أصلِه وذلك معلومٌ مما تَقدَّمَ، وأما الهمزةُ المسهَّلةُ فإن سُهِّلَتْ بينَ الهمزةِ والألِفِ كان مَخرجُها بينَهما، أو سُهِّلَتْ بينَ الهمزةِ والياءِ أو الواوِ كان مَخرجُها بينَهما، وكذلك الصادُ المُشَمَّةُ فإنَّ مَخرجَها بين كلٍّ من مَخرجِ الصادِ المهمَلةِ والزايِ، واللهُ أعلمُ انتهتْ هذه التنبيهاتُ من شرحِ العلَّامةِ المسعديِّ مخطوطٌ - بتصرُّفٍ - ولم أذكرْها كلَّها ولكن اخترتُ منها بعضَها.

فائدةٌ تَتعلَّقُ بكلمةِ الهجاءِ من الحروفِ الهِجائيَّةِ: الهجاءُ هو تقطيعُ الكلمةِ لبيانِ الحروفِ التي رُكِّبَتْ منها وسُمِّيَتْ بذلك لأنُّه لا يُتوصَّلُ لمعرفتِها عادةً إلَّا به، وتُسمَّى أيضًا حروفَ المُعجَمِ اسمُ مفعولٍ من أَعجَمَ الحرفَ، إذا أنقَطَه ومعناه حروفُ الخطِّ الذي وَقعَ عليه الإعجامُ، وقيلَ غيرُ ذلك في معنى تسميتِها بحروفِ المعجَمِ، وتُسمَّى حروفَ المَباني لبِناءِ الكلماتِ منها، وتُسمَّى أيضًا الحروفَ العربيَّةَ لتركيبِ كلامِ العربِ منها وهي تسميةُ سيبويهِ والخليلِ بنِ أحمدَ، وقالَ العلَّامةُ ابنُ يالوشةَ الشريفُ في شرحِ الجَزْرِيَّةِ:: اعلمْ أن العربَ اختُصَّتْ بالنطقِ بحروفِ الهجاءِ كلِّها لأن لُغتَهم أكثرُ اللغاتِ حروفًا، فليس في لغاتِ العَجَمِ ظاءٌ مُعجَمةٌ ولا طاءٌ مهمَلةٌ، وقالَ الأصمعيُّ: ليس في الفارسيَّةِ ولا في السُّرْيانيَّةِ ذالٌ مُعجَمةٌ وكذلك خمسةُ أحرفٍ انفَرَدت العربُ بكثرةِ استعمالِها ولم توجدْ في بعضِ لغاتِ العَجَمِ وهي العَيْنُ والصادُ المهمَلتان والضادُ، والقافُ، والثاءُ المثَلَّثةُ، واخْتُصَّت العربُ أيضًا باستعمالِ الهمزةِ متوسِّطةً ومتطرِّفةً ولم يَستعملْها العجمُ إلَّا في أوائلِ الكلامِ، وقالَ الشيخُ مَكِّيٌّ في الرعايةِ: ومع كونِها أكثرَ اللغاتِ حروفًا انْحصرَتْ في تسعةٍ وعشرين حرفًا وهي (ا ب ت ث إلى الياءِ) فهي هجاءُ كلِّ ناطقٍ في الكَوْنين فسبحانَ من جَعلَ فيها أسرارَ حكمتِه، وباهرَ قدرتِه، انتهى.

وبهذا نكون قد انتَهينا من الكلامِ على مخارجِ الحروفِ مع ألقابِها، ونبدأُ في الكلامِ على صفاتِها، وقبلَ أن نشرحَ كلام الناظمِ في هذا البابِ نذكرُ أوَّلًا أقوالَ العلماءِ في عددِ صفاتِ الحروفِ فنقولُ:

صفاتُ الحروفِ

اعلمْ أن المخارجَ للحروفِ بمثابةِ الموازينِ تُعرفُ بها مقاديرُها، والصفاتُ بمثابةِ الناقدِ الذي يُميِّزُ الجيِّدَ من الرديءِ فببيانِ مَخرجِ الحرفِ تُعرفُ كَميَّتُه أي مقدارُه فلا يُزادُ فيه ولا يُنقصُ منه، وببيانِ صفتِه تُعرفُ كيفيتُه عندَ النطقِ به من سليمِ الطبعِ كجَرْيِ الصوتِ وعدمِه.

والصِّفةُ لغةً: ما قامَ بالشيءِ من المعاني الحسيَّةِ والمعنويَّةِ كالعِلمِ والبياضِ ... الخ.

واصطلاحًا: كيفيَّةٌ عارِضةٌ للحرفِ عندَ حصولِه في المَخرجِ من جهْرٍ وهمْسٍ وشدَّةٍ ... إلخ.

وقد اختلفَ العلماءُ في عددِ صفاتِ الحروفِ فأَنهاها بعضُهم إلى أربعٍ وأربعين صِفةً، وبعضُهم إلى أربعٍ وثلاثين صفةً، وبعضُهم إلى أربعَ عشرةَ صِفةً كالْبَرْكَوِيِّ ت سنةَ 929 هـ، وبعضُهم زادَ على ما ذُكِرَ، وبعضُهم نَقَّصَ.

والقولُ المشهورُ عندَ الجمهورِ هو سبعَ عشرةَ صِفةً وهو الذي اختاره ابنُ الجَزْرِيِّ في المقدِّمةِ وغيرِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت