ثم قالَ: تنبيهاتٌ:
الأوَّلُ: الغُنَّةُ صوتٌ يُشبِهُ صَوْتَ الغزالةِ حينَ ضاعَ ولدُها. وهي صِفةٌ ذاتيَّةٌ للميمِ والنونِ ولو تنوينًا, قويَّةٌ فيهما, ومن ثَمَّ جذبَتْها حالةُ الإخفاءِ أو ما في حكمِه من الإدغامِ بالغُنَّةِ من مَخرجِهما الأصليِّ وحوَّلتْهُما إلى الخَيْشومِ على الصحيحِ، كما أن صِفةَ المَدِّ جَذَبَتِ الواوَ والياءَ من مَخرجِهما الأصليِّ وحوَّلتْهُما الى الجَوْفِ على الصوابِ، قالَه الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أما حالةُ الإظهارِ فلم تَقْوَ الغُنَّةُ فيهما فلم يَتحوَّلا حينئذٍ عن مَخرجِهما الأصليِّ، وكذلك الواوُ والياءُ إذا لم يكونا حَرفَيْ مَدٍّ لم يَتحوَّلا إلى الجَوْفِ لعَدمِ المُقتضَى لذلك.
الثاني: الغُنَّةُ تَجري في الخَيْشومِ كجريانِ المَدِّ في الجَوْفِ فمن ثَمَّ كانت الغُنَّةُ شبيهةً بالمَدِّ بجامعِ أن كُلًّا منهما يَجري في مَخرجِه ولكن يَختلفان في أمورٍ:
أولًا: إن حروفَ المَدِّ تمنع الإدغامَ بخلافِ حروفِ الغُنَّةِ.
ثانيًا: إن الغُنَّةَ صِفةٌ ذاتيَّةٌ في حرفَيْها، وأما المَدُّ فصِفةٌ ذاتيَّةٌ في بعضِ حروفِه وهو الألِفُ وعَرَضِيَّةٌ في الواوِ والياءِ إذا تحرَّكتا مثلًا.
ثالثًا: حروفُ المَدِّ بمنزلةِ الحركةِ في الفصلِ بين الساكنَيْن وحروفُ الغُنَّةِ ليست كذلك فلا يُقالُ نحوَ: أنت, ْ وَقْفًا, مثلًا، الغُنَّةُ فَصلتْ بين الساكنَيْن إذ النونُ ساكنةٌ والتاءُ ساكنةٌ، واجتماعُ الساكنَيْن على غيرِ حدِّه مرفوضٌ لأنَّا نقولُ: اجتماعُ الساكنَيْن على غيرِ حدِّه مرفوضٌ في غيرِ الوَقْفِ أما فيه فمُغتَفَرٌ كالحمدْ , وقْفًا.
رابعًا: لا يَجوزُ مَطُّ الغُنَّةِ في حرفَيْها كالمَدِّ في حروفِه لعَدَمِ الروايةِ بذلك، وحينئذٍ فمِعيارُ الغُنَّةِ مَوْكولٌ إلى الذَّوْقِ السليمِ والتجويدِ المستقيمِ المبنيِّ على المُشافَهةِ والأخذِ عن الشيوخِ الأَثْباتِ، أقولُ: وقدَّرَها بعضُ شيوخِنا بحرَكَتين كالمدِّ الطبيعيِّ وممن نصَّ على ذلك صاحبُ (نهايةِ القولِ المفيدِ) نقلًا عن الإمامِ الجَعْبَرِيِّ، وقالَ صاحبُ لآلئِ البيانِ الشيخُ إبراهيمُ شحاتة السَّمنُّودِيُّ:
وغُنَّ في نونٍ وميمٍ باديا إنْ شُدِّدا فأُدْغِما فأُخْفِيا
فأُظْهِرا فحُرِّكَا وقُدِّرَتْ بألِفٍ لا فيهما كما ثَبَتْ
فبَيَّنَ في هذين البيتين مَراتبَ الغُنَّةِ ومِقدارَها.
الثالثُ: الغُنَّةُ أصْلٌ في النونِ بالنسبةِ إلى الميمِ لقُربِ مَخرجِ النونِ من الخَيْشومِ الذي هو مَحَلُّ الغُنَّةِ، وبهذا يَندفعُ اعتراضُ بعضِهم بلزومِ كَوْنِ النونِ والميمِ حالَ الغُنَّةِ مُتماثلان لاتِّحادِ المَخرجِ والصفاتِ وأيضًا فالنونُ مُجمعٌ على إخفائِها عندَ الحروفِ الخمسةَ عشرَ وأما الميمُ ففي إخفائِها عندَ الباءِ خلافٌ، والمعمولُ به هو الإخفاءُ.