أوّلًا: دعوى أن الحديث لم يصح عند الإمام مالك والبخاري ؛ لكونهما لم يخرجاه في كتابيهما: لا يسلّم بها ؛ إذ لم يرد عنهما ما يدلّ على تضعيفهما للحديث ، وعدم إخراجهما للحديث لا يعني إعلالهما له .
أما الإمام مالك فلعلّه لم يبلغه الحديث ، أو بلغه ، ولكن لم يخرجه لسبب آخر غير ما ذُكِرَ ، ولو سلكنا هذا المسلك في ردّ الأحاديث ، لرددنا جملة كبيرة منها مما صحَّ ولم يخرجه الإمام مالك ! ويكفي في هذا أن أحاديث"الموطأ"لا تبلغ سدس أحاديث الصحيحين .
وأما البخاري: فعبارته صريحة بضدّ هذه الدعوى ؛ فإنه قال (1) : « ما أدخلت في كتابي"الجامع"إلاّ ما صحّ ، وتركت من الصحاح لحال الطول » .
وقال أيضًا (2) : « أحفظ مئة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح » .
ويدلّ على هذا أحكام كثيرة من البخاري على أحاديث بالصحة ، ولم يخرجها في"صحيحه"، وسأذكر من ذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: تصحيحه لحديث البحر: (( هو الطهور ماؤه ، الحلّ ميتته ) ) (3) .
المثال الثاني: تصحيحه لحديث عمار - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه ) ) (4) .
(1) كما في"الكامل"لابن عدي (1/131) ، و"تاريخ دمشق"لابن عساكر (52/73) ، و"تهذيب الكمال"للمزي (24/442) ، و"سير أعلام النبلاء"للذهبي (10/95_96) .
(2) كما في"الكامل"لابن عدي (1/131) ، ومن طريقه الخليلي في"الإرشاد" (3/962) ، والخطيب في"تاريخ بغداد" (2/25) ، وانظر"السنن الأبين" (ص167) ، و"تهذيب الكمال" (24/461) ، و"سير أعلام النبلاء" (12/415) ، و"تغليق التعليق" (5/418) ، و"هدي الساري" (ص487) .
(3) نقله عنه الترمذي في"العلل الكبير" (ص26رقم 9) .
(4) نقله الترمذي أيضًا (ص87 رقم142) .