(قَوْلُهُ: وَالدَّوْرُ الحُكْمِيُّ) . وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ منْ إثباتِ شَيْءٍ نَفْيُهُ، كَأَنِ اعْتَرَفَ أخٌ حَائِزٌ للتَّرِكَةِ بِابنٍ للمَيِّتِ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلا يَرِثُ للدَّوْرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بالابنِ وَثُبُوتِهِ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ إِرْثِهِ؛ لأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِهِ فَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ بُطْلانُ إِقْرَارِهِ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ حَائِزًا، فَيَبْطُلُ نَسَبُ الولدِ، وَإِذَا بَطَلَ فَإِنَّهُ لا يَرِثُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِ الأَمْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ التَّرِكَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: وَلا يُوَرَّثُ) . وَاسْتُثْنِيَ مِنْ كونِهِ لا يُوَرَّثُ كَافِرٌ لَهُ أَمَانٌ وَجَبَتْ لَهُ جِنَايَةٌ حَالَ حُرِّيَّتِهِ وَأَمَانِهِ، ثُمَّ نَقَضَ الأمانَ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، وَحَصَلَ الْمَوْتُ بِالسِّرَايَةِ فِي حَالِ رِقِّهِ، فَإِنْ قُدِّرَ أَرْشُ العُضْوِ منْ قِيمَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الأصحِّ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ للسَّيِّدِ، وَإِلاَّ فَلا شَيْءَ لَهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا رَقِيقٌ كُلُّهُ يُوَرَّثُ إِلاَّ هَذَا. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِمْ حَالَ الْمَوْتِ أَحْرَارًا وَهُوَ قِنٌّ, مَعَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخَذُوا بالحُرِّيَّةِ السَّابِقَةِ لاسْتِقْرَارِهَا بِهَا قَبْلَ الرِّقِّ. اهـ ـ شَرْقَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إِلاَّ المُبَعَّضُ) هُوَ مُسْتَثْنًى منْ قَوْلِهِ: (وَلا يُوَرَّثُ) . وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْ؛ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِرْثِ الغيرِ فِي الجملةِ؛ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ، فرُبَّما ماتَ قَرِيبُه الحُرُّ في نَوْبَةِ السيِّدِ فيَحْصُلُ له الجميعُ, وإنْ لَمْ تَحْصُلْ مُهَايَأَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ البعضُ، وَكِلاهُمَا مُمْتَنِعٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَانِعٌ لِلْقَاتِلِ فَقَطّ) . فَلا يَرِثُ الْقَاتِلُ مَقْتُولَهُ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، بِحَقٍّ: كَمُقْتَصٍّ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ: كَنَائِمٍ، وَطِفْلٍ، وَمَجْنُونٍ، وَلَوْ بِقَصْدِ مَصْلَحَةٍ كَضَرْبِ الأبِ ابْنَهُ للتَّأْدِيبِ ـ أَوْ غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ القَتْلَ، أَوْ زَكَّى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنِيُّ: فِيهِ تُهَمَةُ الاستعجالِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَسَدًّا للبَابِ فِي البَاقِي.
وَيُسْتَثْنَى من العمومِ: المُفْتِي، وَرَاوِي الْحَدِيثِ؛ لأَنَّهُمَا مُخْبِرَانِ، بخلافِ القاضي؛ لأَنَّهُ مُلْزِمٌ. هَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ السادةِ المَالِكِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ إِنْ كَانَ القَتْلُ عَمْدًا عُدْوَانًا فَإِنَّهُ لا يَرِثُ منْ مَالٍ وَلا دِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَإِنَّهُ يَرِثُ من الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَعِنْدَ السادةِ الحَنَفِيَّةِ: كُلُّ قَتْلٍ أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ مَنَعَ من الإرثِ، وَمَا لا فَلا، إِلاَّ القَتْلَ العَمْدَ الْعُدْوَانَ، فَإِنَّهُ لا يُوجِبُ الكَفَّارَةَ عِنْدَهُمْ، ومع ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الإرثِ. وَعِنْدَ السادةِ الحنابلةِ كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ أَوْ بِدِيَةٍ أَوْ بِكَفَّارَةٍ يَمْنَعُ مِنَ الإرثِ، وَمَا لا فَلا.