الصفحة 13 من 89

والإِرْثُ حَقٌّ قَابِلٌ لِلْتَجَزِّي، يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ هُوَ لَهُ. وَأَرْكَانُهُ ثَلاثَةٌ: مُوَرِّثٌ؛ بِكَسْرِ الراءِ المُشَدَّدَةِ، وَوَارِثٌ، وَحَقٌّ مَوْرُوثٌ.

وَشُرُوطُهُ ثَلاثَةٌ: تَحَقُّقُ مَوْتِ المُوَرِّثِ، وَتَحَقُّقُ حَيَاةِ الوارثِ بَعْدَ مَوْتِ المُوَرِّثِ، والعِلْمُ بالجِهَةِ المُقْتَضِيَةِ للإرثِ. وَأَسْبَابُهُ ثَلاثَةٌ: النَّسَبُ، وَالنِّكَاحُ، والوَلاءُ. وَمَوَانِعُهُ: الرِّقُّ، وَالقَتْلُ، واخْتِلافُ الدِّينِ.

(وَالإِرْثُ) لُغَةً: الأَصْلُ وَالْبَقِيَّةُ، وَشَرْعًا كَمَا ضَبَطَهُ القَاضِي الخُونَجِيُّ: (هُوَ حَقٌّ) هُوَ جِنْسٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْحُقُوقِ، (قَابِلٌ لِلْتَجَزِّي) بِفَتْحِ المُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ المُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ؛ أَيْ: للتَّقْسِيمِ. قَيْدٌ أَوَّلُ مُخْرِجٌ لِوِلايةِ النكاحِ، فَإِنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّجَزِّي، وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُ الانْتِقَالَ.

(يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ) ؛ أَيْ: مُوَرِّثٍ، (هُوَ) ؛ أَي: الْمَالُ، (لَهُ) ؛ أَيْ: لِذَلِكَ المُوَرِّثِ، قَيْدٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ للولاءِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ للتَّجَزِّي وَلَكِنْ يَثْبُتُ للأَبْعَدِ فِي حَيَاةِ الأقربِ، وَإِنَّمَا المُتَأَخِّرُ فَوَائِدُهُ.

(وَأَرْكَانُهُ) ؛ أَي: الإِرْثِ، (ثَلاثَةٌ) ؛ أَيْ: لا غَيْرُ، (مُوَرِّثٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ المُشَدَّدَةِ) ؛ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَرَّثَ بِالتَّشْدِيدِ، وَ (وَارِثٌ، وَحَقٌّ مَوْرُوثٌ) ، فَإِذَا مَاتَ زَيْدٌ عَن ابْنٍ لَهُ، وَخَلَّفَ بَيْتًا فَزَيْدٌ مُوَرِّثٌ، وَابْنُهُ وَارِثٌ، وَالشيءُ الَّذِي خَلَّفَهُ حَقٌّ مَوْرُوثٌ.

(وَشُرُوطُهُ) ؛ أَيْ: شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الإرثِ، (ثَلاثَةٌ: تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ) ، أَوْ إِلْحَاقُهُ بِالْمَوْتَى حُكْمًا كَمَا فِي المَفْقُودِ المَحْكُومِ بِمَوْتِهِ، (وَتَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ) ، أَوْ إِلْحَاقُهُ بالأحياءِ تَقْدِيرًا كَحَمْلٍ انْفَصَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً يَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، (وَالْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلإِرْثِ) ، وَهَذَا الشَّرْطُ مُخْتَصٌّ بالقَاضِي وَالمُفْتِي.

(وَأَسْبَابُهُ) ؛ أَي: الإِرْثِ، (ثَلاثَةٌ) ؛ أَيْ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الإِسْلامُ فَسَبَبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، أَحَدُهَا (النَّسَبُ) ؛ أَيْ: قَرَابَةٌ مِنَ العُلْوِ كَالأُبُوَّةِ والمُدْلِي بِهَا، أَو التَّوَسُّطِ كالأُخُوَّةِ وَالمُدْلِي بِهَا، أَو السُّفْلِ كَالبُنُوَّةِ وَالمُدْلِي بِهَا، فَيَرِثُ بِسَبَبِهَا جَمِيعُ الورثةِ مَا عَدَا الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ.

(وَ) ثَانِيهَا (النِّكَاحُ) ، وَهُوَ عَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ فَيَرِثُ بِهِ الزوجُ والزوجةُ، (وَ) ثَالِثُهَا (الْوَلاءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا، وَالْمُرَادُ بِهِ وَلاءُ الْعَتَاقَةِ دُونَ وَلاءِ المُوَالاةِ وَالْمُحَالَفَةِ والإسلامِ، فَيَرِثُ بِهِ المُعْتَقُ وَالمُعْتَقَةُ وَعَصَبَتُهُمَا.

(وَمَوَانِعُهُ) ؛ أَي: الإرثِ، المُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلاثَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا المُؤَلِّفُ ـ وَأَمَّا اخْتِلافُ الدارِ وَالرِّدَّةُ وَالدَّوْرُ الحُكْمِيُّ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الأصحُّ أَنَّهَا مِنَ الموانعِ أَيْضًا ـ أَحَدُهَا (الرِّقُّ) ، وَهُوَ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ يَقُومُ بالإنسانِ، سَبَبُهُ الْكُفْرُ، وَهُوَ مَانِعٌ مِنَ الجَانِبَيْنِ، فَلا يَرِثُ الرَّقِيقُ بِجَمِيعِ أنواعِهِ وَلا يُوَرَّثُ إِلاَّ المُبَعَّضُ بِبَعْضِهِ الحُرِّ، (وَ) ثَانِيهَا (القَتْلُ) ، وَهُوَ مَانِعٌ لِلْقَاتِلِ فَقَطْ لا الْمَقْتُولِ، فَقَدْ يَرِثُ الْمَقْتُولُ مِنَ الْقَاتِلِ إِذَا مَاتَ قَبْلَهُ، وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ ) ).

(وَ) ثَالِثُهَا (اخْتِلافُ الدِّينِ) بِالإِسْلامِ وَالْكُفْرِ، فَلا تَوَارُثَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَذَلِكَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: (( لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) ). وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ: الأَصْلُ وَالْبَقِيَّةُ) ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مَالُ الْمَيِّتِ إِرْثًا؛ لأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ لِلْغَيْرِ، وَهُوَ بَقِيَّةُ مَنْ سَلَفَ لِمَنْ خَلَفَ، وَمِنْهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: (( اثْبُتُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) ). أَيْ: أَصْلِهِ وَبَقِيَّةٍ مِنْهُ، (قَوْلُه: الْخُونَجِيُّ) بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ النُّونِ، نِسْبَةٌ لِخُونَجَةَ كَكُورَجَةٍ بَلْدَةٌ كَمَا فِي القاموسِ وَالمَسْمُوعُ مِنْ أقوالِ المَشَائِخِ بِفَتْحِ الخاءِ والواوِ وَسُكُونِ النُّونِ. اهـ ـ بَاجُورِيٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت