(قَوْلُهُ: فِي المُسْتَدْرَكِ) هُوَ اسْمُ كِتَابٍ للحَاكِمِ اسْتَدْرَكَ فِيهِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَحَادِيثَ لَمْ يُخَرِّجَاهَا فِي صَحِيحَيْهِمَا، أَوْ لَمْ يُخَرِّجْهَا أَحَدُهُمَا.
(قَوْلُهُ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ) ؛ أَيْ: وُجُوبًا عَيْنِيًّا أَوْ كِفَائِيًّا، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَعَلِّمُوهَا) . وَإِنَّمَا قَدَّمَ الأَمْرَ بالتَّعَلُّمِ عَلَى الأَمْرِ بالتَّعْلِيمِ؛ لأَنَّ الشخصَ يَتَعَلَّمُ ثُمَّ يُعَلِّمُ، فَالتَّعَلُّمُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيمِ طَبْعًا، فَقُدِّمَ وَضْعًا لِيُوَافِقَ الوَضْعُ الطَّبْع.
وَضَابِطُ التَّقَدُّمِ بالوَضْعِ أَنْ يَكُونَ المُتَأَخِّرُ مُتَوَقِّفًا عَلَى المُتَقَدِّمِ منْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ عِلَّةَ المُتَأَخِّرِ كَمَا هُنَا، فَإِنَّ تَعْلِيمَ عِلْمِ الفرائضِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَعَلُّمِهِ منْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ التَّعَلُّمُ عِلَّةً فِي التَّعْلِيمِ، وَإِلاَّ لَزِمَ حُصُولُ التعليمِ عِنْدَ وجودِ التَّعَلُّمِ؛ لأَنَّ المَعْلُولَ يُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِ عِلَّتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَعَلَّمُونَ الفَرَائِضَ وَلا يُعَلِّمُونَهَا. اهـ بَاجُورِيٌّ نَقْلًا عَنِ اللُّؤْلُؤَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يُنْسَى) ؛ أَيْ: يُسْرِعُ إِلَيْهِ النِّسْيَانُ؛ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى عِلْمِ الْحِسَابِ، وَانْتِشَارِ مَسَائِلِهِ، وَارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي) ؛ أَيْ: بِمَوْتِ أَهْلِهِ لا أَنَّهُ يُنْزَعُ منْ صُدُورِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ لأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ لا يَنْزِعُ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى عبدِهِ، وَالسِّرُّ فِي التعبيرِ بالانتزاعِ التَّشْبِيهُ بالشيءِ الَّذِي يُنْزَعُ منْ حَيْثُ إِنَّهُ لا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي أَبَاحَها الشَّارِعُ) . اخْتَلَفُوا فِي الشارعِ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقِيلَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلاَّ صَحَّ الأَوَّلُ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ مَجَازًا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قَوْلُهُ: مِنَ الْكِتَابِ) . الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْقُرْآنُ، غَلَبَ عَلَيْهِ منْ بَيْنِ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ كَمَا غَلَبَ عَلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ، وَهُوَ ـ أَي: الْقُرْآنُ ـ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُعْجِزُ المُتَحَدِّي بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ، المُتَعَبَّدُ بِتِلاوَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: المُتَعَبَّدُ حُكْمٌ مِنَ الأَحْكَامِ، وَهِيَ لا تَدْخُلُ فِي الحدودِ.
أُجِيبَ كَمَا فِي شرحِ البنودِ بِأَنَّ الشَّيْءَ يَتَمَيَّزُ بِذِكْرِ حُكْمِهِ لِمَنْ تَصَوَّرَهُ بِأَمْرٍ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَمَا إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ مِنَ اللَّفْظِ المُنَزَّلِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ، وَمَا تَعَبَّدَ بِتَلاوَتِهِ أَبَدًا وَلَمْ تَعْلَمْ عينَ الْقُرْآنِ مِنْهُمَا فَيُقَالُ لَكَ: هُوَ اللَّفْظُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةِ) وَهِيَ قَوْلُهُ أَوْ فِعْلُهُ أَوْ تَقْرِيرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قَوْلُهُ: بِشَهَادَةِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ سَلَمَةَ) . وَهِيَ أَنَّ الجَدَّةَ أُمَّ الأُمِّ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَأَلَتْهُ عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ, فَأَنْفَذَ أَبُو بَكْرٍ لَهَا السُّدُسَ.
(قَوْلُهُ: وَالإِجْمَاعِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الإجماعُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى الأَمْرِ والقطعُ بِهِ، منْ قَوْلِهِمْ: أَجْمَعْتُ عَلَى الشَّيْءِ؛ إِذَا عَزَمْتُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي العَصْرِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ الشَّرْعِيَّةِ.