، وَلا انْقَادَ لِمَا بُعِثَ بِهِ رَسُولُ الله. وَلِهَذَا يَصِفُّ اللهُ سُبْحَانَهُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ، وَبِأَنَّهُمْ فِي الظُّلُمَاتِ لا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَلِهَذَا كَانَتْ الظُّلْمَةُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ، فَقُلُوبُهُمْ مُظْلِمَةٌ تَرَى الْحَقَّ فِي صُورَةِ الْبَاطِلِ، وَالْبَاطِلَ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، وَأَعْمَالُهُمْ مُظْلِمَةٌ، وَأَقْوَالُهُمْ مُظْلِمَةٌ، وَأَحْوَالُهُمْ كُلُّهَا مُظْلِمَةٌ، وَقُبُورُهُمْ مُمْتَلِئَةٌ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً، وَإِذَا قُسِمَتِ الأَنْوَارُ دُونَ الْجِسْرِ لْلَعْبُورِ عَلَيْهِ بَقَوْا فِي الظُّلُمَاتِ، وَمَدْخَلُهُمْ فِي النَّارِ مُظْلِمٌ، وَهَذِهِ الظُّلْمَةُ هِيَ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا الْخَلْقُ أَوَّلًا. فَمَنْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ السَّعَادَةَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا إِلَى النُّورِ، وَمَنْ أَرَادِ بِهِ الشَّقَاوَةَ تَرَكَهُ فِيهَا، كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبيِّ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ - عز وجل - خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» .
وَكَانَ النَّبيُّ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا» . فَطَلَبَ النُّورَ لِذَاتِهِ، وَلأَبْعَاضِهِ، وَلِحَوَاسِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَلِجِهَاتِهِ السِّتِّ. وَقَالَ أُبِي بْنُ كَعْبٍ - رضي الله عنه: الْمُؤْمِنُ مَدْخَلُهُ مِنْ نُورٍ، وَمَخْرَجُهُ مِنْ نُورٍ، وَقَوْلُهُ نُورٌ، وَعَمَلُهُ نُورٌ.
وَهَذَا النُّورُ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ يَظْهَرُ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَمِينِهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالشَّمْسِ، وَآخَرُ كَالنَّجْمِ، وَآخَرُ كَالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، وَآخَرُ دُونَ ذَلِكَ، حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا عَلَى رَأْسِ إِبْهَامِ قَدَمِهِ، يُضِيءُ مَرَّةً، وَيُطْفَأُ أُخْرَى، كَمَا كَانَ نُورُ إِيْمَانِهِ وَمُتَابَعَتُهُ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، فَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ يَظْهَرُ هُنْاكَ لِلْحِسِّ وَالْعِيَانِ.
وَقَالَ - عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيْمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} [الشُّورَى: 52] . فَسَمَّى وَحْيَهُ وَأَمْرَهُ رُوحًا، لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ حَيَاةِ الْقُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ، وَسَمَّاهُ نُورًا، لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَاسْتِنَارَةِ الْقُلُوبِ، وَالْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
وَلِهَذَا تَرَى صَاحِبَ اتِّبَاعِ الأَمْرِ وَالسُّنَّةِ، قَدْ كُسِيَ مِنَ الرُّوحِ وَالنُّورِ، وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنَ الْحَلاوَةِ، وَالْمَهَابَةِ، وَالْجَلالَةِ، وَالْقَبُولِ مَا قَدْ حُرِمَهُ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ الْمُؤمِنَ مَنْ رُزِقَ حَلاوَةً وَمَهَابَةً.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ