الصفحة 7 من 10

يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [الْبَقَرَةُ: 257] . فَأَوْلِيَاءُ الْكُفَّارِ يُعِيدُونَهُمْ إلَى مَا خُلِقُوا فِيهِ مِنْ ظُلْمَةِ طَبَائِعِهِمْ، وَجَهْلِهِمْ، وَأَهْوَائِهِمْ، وَكُلَّمَا أَشْرَقَ لَهُمْ نُورُ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْي، وَكَادُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ مَنَعَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْهُ، وَصَدُّوهُمْ، فَذَلِكَ إِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: {أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأَنْعَامُ: 122] ، فَأَحْيَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِرُوحِهِ الَّذِي هُوَ وَحْيُهُ، وَهُوَ رُوحُ الإِيْمَانِ وَالْعِلْمِ، وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الظُّلْمَةِ، كَمَا يَمْشِي الرَّجُلُ بِالسِّرَاجِ الْمُضِيءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَهُوَ يَرَى أَهْلَ الظُّلْمَةِ فِي ظَلامِهِمْ، وَهُمْ لا يَرَوْنَهُ كَالْبَصِيرِ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ الْعِمْيَانِ» اهـ.

وَلأَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنَ الأَنْوَارِ وَالْمَهَابَةِ وَالْجَلالِ مَا لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ بِمِقْدَارِ مَا لِرَسُولِ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَزِيدِ الطَّاعَةِ، وَوَافِرِ الْمَحَبَّةِ، وَعَظِيمِ التَّعْزِيرِ وَالتَّوْقِيرِ، فَهُمْ فِى أَنْوَارِ الْهِدَايَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعِلْمِ يَتَقَلَّبُونَ، {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التَّحْرِيْمُ: 8] .

قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ: «وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهُ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ، يَتَقَلَّبُونَ فِي عَشْرِ ظُلُمَاتٍ: ظُلْمَةِ الطَّبْعِ، وَظُلْمَةِ الْجَهْلِ، وَظُلْمَةِ الْهَوَى، وَظُلْمَةِ الْقَوْلِ، وَظُلْمَةِ الْعَمَلِ، وَظُلْمَةِ الْمَدْخَلِ، وَظُلْمَةِ الْمَخْرَجِ، وَظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَظُلْمَةِ الْقِيَامَةِ، وَظُلْمَةِ دَارِ الْقَرَارِ. فَالظُّلْمَةُ لازِمَةٌ لَهُمْ فِي دُورِهِمْ الثَّلاثَةِ.

وَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهُ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي عَشْرَةِ أَنْوَارٍ، وَلِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ النُّورِ مَا لَيْسَ لأُمَّةٍ غَيْرِهَا، وَلِنَبيِّهَا مِنَ النُّورِ مَا لَيْسَ لِنَّبيٍّ غَيْرِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ نُورَيْنِ، وَلِنَبيِّنَا تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ نُورٌ تَامٌّ، كَذَلِكَ صِفَتُهُ، وَصِفَةُ أمَّتِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْحَدِيدُ: 28] .

وَفِي قَوْلِهِ «تَمْشُونَ بِهِ» إِعْلامٌ بِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ، وَتَقَلُّبَهُمْ الَّذِي يَنْفَعُهُمْ، إِنَّمَا هُوَ النُّورُ، وَأَنَّ مَشْيَهُمْ بِغَيْرِ النُّورِ غَيْرُ مُجْدٍ عَلَيْهِمْ، وَلا نَافِعٍ لَهُمْ، بَلْ ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ، وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ النُّورِ هُمْ أَهْلُ السَّعْي النَّافِعِ فِي النَّاسِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ أَهْلُ الزَّمَانَةِ وَالانْقِطَاعِ، فَلا سَعْي لَقُلُوبِهِمْ، وَلا لأَحْوَالِهِمْ، وَلا لأَقْوَالِهِمْ، وَلا لأَقْدَامِهِمْ إلَى الطَّاعَاتِ، وَكَذَلِكَ لا تَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ، إِذَا مَشَتْ بِأَهْلِ الأَنْوَارِ أَقْدَامُهٌمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت