فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 76

[التحبير في علم التفسير: 111]

بلغت مبلغ القطع والتواتر، وإنما لم يكفرنا فيها لشبهة الخلاف، وكما لا يكفر منكر المتواتر من الحديث، ويلحق بهذا النوع الآيات التي كررت في معنى واحد كالقصص والأوامر والنواهي، وفائدتها: التأكيد، ولتجديد الأمر في القلوب وقع.

[التحبير في علم التفسير: 112]

النوع الثامن عشر والتاسع عشر: ما نزل مفرقًا وما نزل جمعًا

هذان النوعان من زيادتي، والأول كثير لأنه غالب القرآن ومن أمثلته في السور القصار: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} أول ما نزل منها إلى قوله: {ما لم يعلم} ، والضحى، ففي الصحيحين أول ما نزل منها إلى قوله: {وما قلى} ، وفي حديث أن: {وللآخرة خير لك من الأولى} نزلت وحدها.

وروى ابن جرير أن: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} نزلت وحدها، وكذلك سورة الليل غالب آياتها نزلت مفرقة.

وأما النوع الثاني: فمنه (الأنعام) إن صح الحديث السابق فيها. ومنه سورة (الصف) ففي المستدرك وغيره من حديث عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا:

[التحبير في علم التفسير: 113]

لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عملناه فأنزل الله: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} إلى آخر السورة، فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا.

ومنه: (المرسلات) ففي المستدرك عن ابن مسعود قال: كنا النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه: {والمرسلات عرفًا} فأخذتها من فيه، وإن فاه رطب بها، فلا أدري بأيها ختمت: {فبأي حديث بعده يؤمنون} أو {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} .

ومنه سورة العصر والكوثر والنصر وتبَّت والإخلاص، ومنه الفاتحة، خلافًا لما حكي عن أبي الليث أنها نزلت نصفين، ومن هذا النوع سورتان نزلتا معًا وهما: المعوذتان. والله سبحانه أعلم.

[التحبير في علم التفسير: 114]

النوع العشرون: كيفية النزول

هذا النوع من زيادتي وفيه مسائل: الأولى: في نزوله من اللوح المحفوظ.

روى الحاكم في المستدرك والبيهقي من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض، وروى الحاكم أيضًا من طريق يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة، وروى أيضًا من طريق سفيان عن الأعمش عن حسان بن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا.

وروى ابن مردويه من طريق السدي عن محمد بن أبي المجالد عن معمر عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} .

[التحبير في علم التفسير: 115]

وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وهذا نزل في شوال وذا في ذي القعدة إلى آخره، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع ترتيلًا في الشهور والأيام.

وروى أحمد في مسنده عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ) ).

قال الفخر الرازي: ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وهل هذا أولى أو الأول؟ قال ابن كثير: وهذا الذي جعله احتمالًا نقله القرطبي عن مقاتل وابن حبان، وحكي الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا، قلت:

[التحبير في علم التفسير: 116]

ويوافق قول الرازي ومقاتل: ما تقدم عن ابن شهاب أنه قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين.

الثانية: في قدر ما كان ينزل منه: روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق وكيع عن خالد بن دينار قال: قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا، ثم روى مثله من طريق أبي جلدة عن أبي العالية عن عمر ولفظه: فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسًا خمسًا، قال: ورواية وكيع أصح.

قلت: وله شاهد عن علي سيأتي في المسلسل، وفي النفس من هذا كله شيء، والذي أستقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها أن القرآن كان ينزل على حسب الحاجة خمسًا وعشرًا وأكثر وأقل وآية وآيتين، وقد صح نزول قصة الإفك جملة وهي عشر آيات، ونزول بعض آية وهي قوله تعالى: {غير أولي الضرر} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت