ذكره البلقيني وجعله ملحقًا بما قبله ورأينا إفراده بنوع أليق، ومثل له بما في صحيح مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: (( أنزل عليَّ آنفًا سورة ) )فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر} .
وقال الإمام الرافعي في أماليه: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة وقالوا: من الوحي ما كان يأتيه في النوم
لأن رؤيا الأنبياء وحي قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسرها لهم، قال: وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي - ويقال لها: برحاء الوحي. انتهى.
قلت: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه والتأويل الأخير أصح من الأول، لأن قوله: أنزل علي آنفًا يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت في تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا.
النوع الحادي عشر: أسباب النزول
وهو نوع مهم يحتاج إليه وصنف الناس فيه مصنفات، ومن أحسنها كتاب الواحدي، ثم شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل بن حجر، وما كان عن صحابي فهو مسند مرفوع، إذ قول الصحابي فيما لا مدخل فيه للاجتهاد مرفوع، أو تابعي فمرسل، وشرط قبولهما صحة السند، ويزيد الثاني أن يكون راويه معروفًا بأن لا يروي إلا عن الصحابة، أو ورد له شاهد مرسل أو متصل ولو ضعيفًا، وإذا تعارض فيه حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فذاك كآية اللعان، ففي
الصحيح عن سهل بن سعد الساعدي أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني وفيه أيضًا أنها نزلت في قصة هلال بن أمية، فيمكن أنها نزلت في حقهما أي بعد سؤال كل منهما فيجمع بهذا، وإن لم يمكن قدم ما كان سنده صحيحًا أو له مرجح ككون راويه صاحب الواقعة التي نزلت فيها الآية ونحو ذلك، فإن استويا فهل يحمل على النزول مرتين أو يكون مضطربًا يقتضي طرح كل منهما عندي فيه احتمالان وفي الحديث ما يشبهه، وربما كان في إحدى القصتين (فتلا) فوهم الراوي فقال: فنزلت كما تقدم في آية الزمر، والبارع الناقد يفحص عن ذلك، وأمثلة هذا النوع تستقرأ من الكتب المصنفة فيه وذكر منها كثير في هذا الكتاب في الأنواع السابقة والتي ستأتي.
ثم منها المشهور وهو قسمان: صحيح كقصة الإفك وآية السعي والتيمم والعرنيين وموافقات عمر، وضعيف كآية: إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها .. ، وقد اشتهر أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة، وأسانيد ذلك بعضها ضعيف، وبعضها منقطع، ومنها الغريب وهو أيضًا قسمان: صحيح وضعيف، والله أعلم، وهذا الفصل مما حررته واستخرجته من قواعد الحديث ولم أسبق إليه وبالله التوفيق.
النوع الثاني والثالث عشر: أول ما نزل وآخر ما نزل
اختلف في الأول، فالأصح أنه: {اقرأ باسم ربك} ، وقيل: المدثر، وقيل: الفاتحة - حجة الأول: حديث ابن عباس السابق في المكي والمدني، وحديث عائشة أنها قالت: أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك} رواه في المستدرك، وروى أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أن أول ما نزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك} ، ون، والقلم.
وحجة الثاني ما في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: {يا أيها المدثر} قلت: أو {اقرأ باسم ربك} ؟ قال: أحدثكم بما حدثنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: إني
جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو يعني جبريل فأخذتني رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله: {يا أيها المدثر * قم فأنذر} وأجاب الأول بما في الصحيحين أيضًا عن أبي سلمة عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: (( فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرجعت وقلت: زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله: {يا أيها المدثر} ) )فقوله: (( الملك الذي جاءني بحراء ) )دال على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها: {اقرأ باسم ربك} .
قال البلقيني: ويجمع بين الحديثين بأن السؤال كان عن نزول بقية: اقرأ والمدثر، فأجابه بما تقدم.
وحجة الثالث: ولم يذكره البلقيني ما رواه البيهقي في الدلائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله - صلى الله عليه