مثال الأول (1) : حديث (( فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد ) ) (2) ، مع قوله (( لا عدوى ولا طيرة ) ) (3) ؛ فالأوّل سببٌ له عادةً، والثاني الإعداءُ طبعًا (4) ؛ ويُنكَر على ابن شاهين إدخالَه في ناسخه (5) .
والمرجِّحات في الثاني (6) كثيرةٌ، نحو خمسين وجهًا وأكثر، وقد سردها الحازمي (7) ، فذكر خمسين وجهًا واحدًا بعد واحدٍ، ثم قال: وثَمَّ وجوهٌ كثيرة أضربنا عن ذكرها؛ كي لا يطول هذا المختصَر؛ وخالفه بعضُ الأصوليّين في بعض ما ذكر من وجوه الترجيحات، فرجّح مقابِلَه، أو نفى الترجيح؛ وقد زاد الأصوليّون - منهم: الفخر الرازي، والآمدي، ومن تبعهما - وجوهًا أخرى للترجيح، إذا ضُمّت إليها تُقارب المائة أو تنيف (8) .
ثم قلتُ: (والمُسَلْسَل، وهو ما تتابع رجالُ إسناده على صفةٍ، أو حالةٍ، وقلَّ فيه الصحيح) .
(1) أي: الحديثان المتعارضان في الظاهر المُوَفَّق بينهما.
(2) علّقه البخاري (رقم: 5707) ، عن عفّان عن سليم بن حيّان عن سعيد بن ميناء عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (15/ رقم: 9722) ، والبيهقي (7/218) ، والبخاري في التاريخ الكبير (1/139) . وهو في السلسلة الصحيحة (رقم: 783) .
(3) البخاري (رقم: 5757) ، ومسلم (رقم: 2224) .
(4) قال المصنّف في المقنع (2/481-482) موضحًا هذا الجمع: (( وجه الجمع بينهما: أنّ هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكنّ الله - عز وجل - جعل مخالطةَ المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضَه، ثم قد يتخلّف ذلك عن سببه، كما في سائر الأسباب، فالحديث الأوّل نفى الإعداءَ بالطبع، ولهذا قال: فمن أعدى الأول؟! والثاني أعلَم أنّ الله جعل ذلك سبباَ لذلك، وحذّر من الضرر الذي يغلبُ وجودُه عند وجوده بفعل الله تعالى ) ).
(5) ناسخ الحديث ومنسوخه .
(6) أي: الترجيح بين الحديثين المتعارضين.
(7) في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار .
(8) انظر: المحصول ، الإحكام في أصول الأحكام ، ...