إلى هذه الأمور لعرف ممدوح البدعة من مذمومها ، ولعلم أن البدعة تطلق على ما أحدثه المرء من طاعة ومن معصية ، وأن ما أحدثه من الطاعة فهو ممدوح ، وهي السنة الحسنة التي يكون له أجرها وأجر من عمل بها . لكن اعرف الطاعة ما هي ؟ . فإن من صام الأبد مثلا لم يعمل طاعة بل معصية ، ومن قام الليل كله لم يعمل طاعة بل معصية . فالبدعة المذمومة هي المرادة بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ( وكل بدعة ضلالة وكل ‹ صفحه 33 › ضلالة في النار ) هي ما لم يكن عليه أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما يفسرها حديث: ( ما لم يكن عليه أمرنا فهو رد ) ( 1 ) فمن جعل لنفسه أو لأتباعه - إن كان له أتباع - ذكرا لله تعالى معينا ، أو صلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، أو دعاء ، أو نحو ذلك ، فهذا لم يفعل ( ما لم يكن عليه أمرنا ) بل هو داخل تحت ( اذكروا الله ذكرا كثيرا ) ( 2 ) وتحت قوله: ( من صلى علي واحدة صلى الله وملائكته عليه بها عشر مرات فليقل عبد أو ليكثر ) ( 3 ) فإن ‹ صفحه 34 › جعل العبد ذلك في وقت مخصوص كمن جعل الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عشر مرات بعد كل صلاة ، فينبغي له ملازمة ذلك وأن يرعاه حق رعايته لئلا يكون كمن قال تعالى فيهم ( فما رعوها حق رعايتها ) وهو أيضا داخل تحت عموم قوله تعالى: ( فإذا فرغت فانصب ) ( 1 ) . قال ابن عباس حبر الأمة الذي دعا له النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يعلمه الله التأويل في قوله تعالى: ( فإذا فرغت فانصب ) . قال: ( إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء ) . أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، من طرق ( 2 ) وهي مفسرة لقوله تعالى: ( فإذا قضيتم ‹ صفحه 35 › الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) ( 1 ) . والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أفضل من الدعاء بلا شك ولا ريب لمن يعقل ، لأنها