فإن المسلمين اشتدت عنايتهم- من عهد المصدر الأول- بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف، حتى رووا أوجه نقطه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبا مطولة وافية. وحفظوا أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه، والمبين لشرعه، والمأمور بإقامة دينه. وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيان للقرآن. وهو الرسول المعصوم، والأسوة الحسنة. يقول الله تعالى في صفته: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [53: 3 و 4] . ويقول: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [16: 44] . ويقول أيضًا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [33: 21] . وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهته قريش فذكر ذلك للرسول فقال: (( أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق ) ) [1] . وأمر المسلمين في حجة الوداع بالتبليغ عنه أمرًا عامًا. فقال: (( وليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ) ) [2] . وقال: (( فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع ) ) [3] .
ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، إما متواترة باللفظ والمعنى، وإما متواترة في المعنى فقط، وإما مشهورة وإما بالأسانيد الصحيحة الثابتة، مما يسمى عند العلماء (الحديث الصحيح) و (الحديث الحسن) .
واجتهد علماء الحديث في رواية كل ما رواه عنه الرواة، وإن لم يكن صحيحا عندهم، ثم اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواة، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية مما يؤثر في العدالة عند أهل العلم. أما إذا اشتبهوا في صدقه، وعلموا أنه كذب في شيء من كلامه فقد رفضوا روايته، وسموا حديثه (موضوعا) أو (مكذوبا) ، وإن لم يعرف عنه الكذب في رواية الحديث، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب.
وكذلك توثقوا من حفظ كل راو وقارنوا رواياته بعضها ببعض وبروايات غيره، فإن وجدوا منه خطأ كثيرا وحفظًا غير جيد، ضعفوا روايته، وإن كان لا مطعن عليه في شخصه ولا في صدقه، خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ.
وقد حرروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطًا لدينهم. فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها وإن أعرض عنها- في هذه العصور المتأخرة- كثير من الناس، وتحاموها بغير علم منهم ولا بينة.
وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية، فقلدهم علماء اللغة، وعلماء الأدب، وعلماء التاريخ، وغيرهم. فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، كما تراه في كتب المتقدمين السابقين، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل، فهذا العلم في الحقيقة أساس لكل العلوم النقلية، وهو جدير بما وصفه به صديقي وأخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة من أنه (منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار) .
ومع هذا فقد ابتدع بعض المتقدمين بدعة سيئة، هي عدم الاحتجاج بالأحاديث، لأنها تسمى في اصطلاحات بعض الفنون (ظنية الثبوت) ، أي أنها لم تثبت بالتواتر الموجب للقطع في النقل، وكان هذا تباعًا لاصطلاح لفظي لا أثر له في القيمة التاريخية لإثبات صحة الرواية، فما كل رواية صادقة يثق بها العالم المطلع المتمكن من علمه بواجب في صحتها والتصديق بها واطمئنان القلب إليها أن تكون ثابتة ثبوت التواتر الموجب للعلم البديهي
(1) رواه أحمد في المسند (رقم 6510 ج 2 ص 162) بإسناد صحيح، ورواه أيضًا أبو داود والحاكم وغيرهما بمعناه.
(2) رواه البخاري وغيره انظر فتح الباري ج 1 ص 146.
(3) رواه البخاري وغيره أيضًا (انظر الفتح ج 3 ص 459) .