وإلا لما صح لنا أن نثق بأكثر النقول في أكثر العلوم والمعارف. وكانت هذه الفئة التي تذهب هذا المذهب الرديء فئة قليلة محصورة مغمورة، لا أثر لقولها في شيء من العلم.
ولكن نبغ في عصرنا هذا بعض النوابغ ممن اصطنعتهم أوربا وادخرتهم لنفسها من المسلمين، فتبعوا شيوخهم من المستشرقين- وهم طلائع المبشرين- وزعموا كزعمهم أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا أصل، وأنها لا يجوز الاحتجاج بها في الدين، وبعضهم يتخطى القواعد الدقيقة الصحيحة، ثم يذهب يثبت الأحاديث وينفيها بما يبدو لعقله وهواه، من غير قاعدة معينة، ولا حجة ولا بينة. وهؤلاء لا ينفع فيهم دواء، إلا أن يتعلموا العلم ويتأدبوا بأدبه، ثم الله يهدي من يشاء.
وأما الطعن في الأحاديث الصحيحة جملة الشك في صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما هو إعلان بالعداء للمسلمين ممن عمد إليه علم ومعرفة، أو جهل وقصر نظر ممن قلد فيه غيره ولم يعرف عواقبه وآثاره، فإن معنى هذا الشك والطعن: أنه حكم على جميع الرواة الثقات من السلف الصالح رضي الله عنهم بأنهم كاذبون مخادعون مخدوعون، ورمي لهم بالفرية والبهتان، أو بالجهل والغفلة، وقد أعاذهم الله من ذلك وهم يعلمون يقينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) )وقال: (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) ). فالمكذب لهم في روايتهم إنما يحكم عليهم بأنهم يتقحمون في النار تقحمًا، وأنهم لم يكونوا على شيء من الخلق أو الدين. فإن الكذب من أكبر الكبائر، ثم هو من أسوأ الأخلاق وأحطها، ولن تفلح أمة يفشو فيها الكذب، ولو كان في صغائر الأمور، فضلا عن الكذب في الشريعة، وعلى سيد الخلق وأشرف المرسلين. وقد كان أهل الصدر الأول من المسلمين- في القرون الثلاثة الأولى- أشرف الناس نفسًا وأعلاهم خلقًا، وأشدهم خشية لله، وبذلك نصرهم الله، وفتح عليهم الممالك، وسادوا كل الأمم والحواضر، في قليل من السنين، بالدين والخلق الجميل، قبل أن يكون بالسيف والرمح.
أحمد محمد شاكر
تقديم الكتاب
بقلم الأستاذ الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة
إن علم أصول الحديث وقواعد اصطلاح أهله لابد منه للمشتغل برواية الحديث، إذ بقواعده يتميز صحيح الرواية من سقيمها، ويعرف المقبول من الأخبار والمردود، وهو للرواية كقواعد النحو لمعرفة صحة التراكيب العربية، فلو سمي منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار، لكان اسما على مسمى.
هذا- وقد كتب العلماء فيه من عصر التدوين إلى يومنا هذا نفائس ما يكتب: من ذلك ما نجده في أثناء مباحث (الرسالة) للإمام الشافعي، وفي ثنايا (الأم) له، وما نقله تلاميذ الإمام أحمد في أسئلتهم له ومحاورته معهم وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه، ورسالة الإمام أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في بيان طريقته في سننه الشهيرة، وما كتبه الحافظ أبو عيسى الترمذي في كتابه (العلل المفرد) ، في آخر جامعه، وما بثه في الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب: من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل. وللإمام البخاري التواريخ الثلاثة، ولغيره من علماء الجرح والتعديل من معاصريه ومن بعدهم بيانات وافية لقواعد هذا الفن، تجيء منتشرة في تضاعيف كلامهم. حتى جاء من بعدهم فجرد هذه القواعد في كتب مستقلة، ومصنفات عدة، أشار إلى أشهرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فاتحة شرحه لنخبة الفكر فقال:
فمن أول من صنف ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي (الحسن ابن عبد الرحمن الذي عاش إلى قريب سنة 360) [1] في كتابه المحدث الفاصل، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري (محمد بن عبد الله بن البيع صاحب المستدرك على الصحيحين والإكليل والمدخل إليه في مصطلح الحديث وتاريخ نيسابور المتوفى سنة 405) ، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني (أحمد بن عبد الله الصوفي صاحب حلية الأولياء والمستخرج على البخاري وغيرهما المتوفى سنة 430) فعمل على كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب، وجاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي
(1) ما وضع بين قوسين فمن زيادتنا توضيحا لكلام الحافظ ابن حجر.