أما الحقيقة، فمشتركة بين ذات الشيء وماهيته، كقولنا: حقيقة الإنسان: حيوان ناطق، وبين ما يقابل المجاز: وهو اللفظ المستعمل في موضوعه المتخاطب به عند إرادة التخاطب، فيتناول اللغوية كالصلاة: للدعاء، والشرعية، كذات التحريم، والتحليل، والعرفية: كالدابة لذوات الأربع.
وهي فعلية من الحق، وهو الثابت لثبوتها بإزاء ذات الشيء، أو موضوعه اللازم غير المنتقل.
والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي، لاشتراكهما في وصف مشهور، كالأسد للشجاع، والحمار للبليد، والبحر للعالم والجواد، تحصل المشابهة في الشجاعة، وفي البلادة، والكثرة، وتسمى هذه المشابهة العلاقة المجوزة، وتتعدد أصناف المجاز بحسب تعدد جهات العلاقة، فلنذكر منها ما تيسر، وهو عشرة أصناف:
إطلاق اسم السبب على المسبب، والأسباب أربعة فأعلى:
(أ) كإطلاق اسم النظر على الرؤية، نحو قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} ، أي: له رائية، ونحو: نظرت إلى فلان، أي: رأيته؛ لأن النظر فعل الفاعل، وهو سبب الرؤية.
وغائي: كتسمية العنب خمرًا، في قوله تعالى: {إني أراني أعصر خمرًا} ، وإنما عصر عنبًا، فسماه باعتبار غايته، وهي الخمرية.
وصوري: كتسمية القدر يدًا، نحو قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يدٍ} ، ولعله سمي صوريًا؛ لأن الذهن يبادر عند إطلاقه إلى حقيقته، وهو صورة كاليد الحقيقية ههنا.
وقابلي: كسال الوادي، لقبول الوادي سيل الماء فيه.
(ب) إطلاق اسم المسبب إلى السبب، عكس الأول: كتسمية المرض الشديد موتًا.
(ج) إطلاق اسم الشيء على مشابهه: كلفظ الحمار على البليد، وهو المستعار.
(د) إطلاق لفظ الضد على ضده، كتسمية العقاب جزاء، نحو: {ذلك جزيناهم ببغيهم} ، {وذلك جزاء الظالمين} ، إذ حقيقة الجزاء في الثواب، نحو: {إن هذا كان لكم جزاءً} .
وفي هذا نظر؛ إذ الجزاء لغة: المكافأة على الفعل، وهو أعم من المكافأة في الخير والشر، وإنما المشهور في هذا المثال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} .
ومثل ابن الأثير لهذا بقولهم للأسود والأبيض: (جون) ، وهو وهم لأن هذا اشتراك، كالناهل للظمآن، والريان، لا مجاز.
(هـ) إطلاق لفظ الكل على الجزء: كإطلاق لفظ القرآن على بعضه، كالسورة والآية.
(و) العكس: كإطلاق لفظ الأسود على الزنجي؛ لسواد جلده، إذ الأسود منه بعضه لا كله.
وكقولك لمن تبغضه: أبعد الله عني وجهه، أي: جميعه.
(ز) إطلاق لفظ ما بالفعل على ما بالقوة: كلفظ المسكر على الخمر قبل شربها.
(ح) إطلاق لفظ المجاور على مجاوره، كلفظ الراوية على المزادة، وحقيقتها: الجمل الذي يستقى عليه، ولفظ الغائط والعذرة على الخارج المستقذر من الإنسان، وحقيقتها: المطمئن من الأرض، وفناء الدار.