فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 150

ويحتاج ذلك إلى قابلية وطبع مجيب، وإلا فقد أخبر المبرد عن نفسه، مع تقدمه في صناعة الآداب، أنه طالما عجز عن إنشاء عبارة يرتضيها في مهم: من اعتذار عن فلتة، أو شكر عن نعمة، ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب، خير من زيادة الأدب على المنطق.

ولقد رأيت ببغداد رجلًا نفاطًا يركب الخطب والشعر من معان بديعة لائقة، في ألفاظ عذبة رائقة، على وجه يعجز عنه الأدباء والمدرسون، وكان لحانة، مع أن جميع لحنه يقبل الإعراب الصحيح، مع بقاء الوزن.

وينبغي له أن يخاطب كل قوم بما يقرب من أفهامهم، فإن ذلك من مقاصد البيان المهمة، ككتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، فإنه في غاية الوضوح -يفهمه من له أدنى تشبث بالعربية- لكونهم أعاجم، وكانت كتبه صلى الله عليه وسلم إلى العرب في غاية الفصاحة والغرابة، لأنهم كانوا يفهمون ذلك.

وإذا فرغ من إنشاء كلامه، اشتغل بتنقيح ألفاظه، وترصيف معانيه وترصينها من تقديم مؤخر، وتأخير مقدم، وتبديل ثقيل بأخف، وأخف بأثقل، ليحصل التلاؤم والتعادل، وليجعل كأن معه معترضًا عليه في كلامه، مناقشًا له فيه، فتورد له الأسئلة على نفسه ثم يجيب عنها ويقرر ما أنشأه على ما استقر عليه جوابه، كما قال الخليل رحمه الله:

(ما وضعت شيئًا حتى عرفت آخر ما يلزمني فيه)

بيان الطريق إلى معرفة التأليف:

وأما بيان الطريق إلى معرفة التأليف، فقال ابن الأثير: أجود الطرق وأحراها

[الإكسير في علم التفسير: 92]

بالوصول: أن يأخذ المؤلف للكلام رسالة إن كان كاتبًا، أو قصيدة إن كان شاعرًا، فيكلف نفسه بعد معرفة معانيها، وتدبر أوائلها وأواخرها، ويقرر ذلك في قلبه عمل مثلها، بأن يقيم عوض كل لفظ منها لفظًا من عنده، يؤدي معناه، ويسد مسده، حتى إذا أتى على آخرها، اشتغل بتنقيحها، وتحقيق ارتباط بعضها ببعض، هذا تلخيص كلامه.

وأنا أقول: إن من يحتاج في صناعة الإنشاء إلى هذا الطريق، ما له نية تنشئ ولا تشعر، وإنما الطريق إلى ذلك عندي، أن يدرب نفسه في النظر في أنواع علم العربية:

نحوًا، ولغة وتصريفًا وفي أشعار العرب، وخطبهم واصطلاحتهم ومواقع كلامهم، وفيما أنشأه المتأخرون من نظم ونثر في علم المعاني والبيان، ونحو ذلك من مواد التأليف، حتى تصير لنفسه بذلك ملكة، وقوة، فإذا ساعده مع ذلك ذهن وقاد، وقريحة مجيبة، وطبع قابل، حصل من الإنشاء فوق غرضه، وهذه هي طريقة الفحول، كمن أراد بناء حائط، فأعد له من اللبن والآجر والطين، ووضعه بحسن صناعته وضعًا محكمًا.

أما طريقة ابن الأثير، فطريقة صبيان المكاتب الذين يقعون في الألواح على أمثلة المعلمين، ونظيرها من أراد بناء حائط، فجاء إلى حائط غيره يخلع منه لبنة لبنة، ويجعل عوضها من عنده، ولعل بعض تلك الأوضاع فاسد، فيكون مقلدًا لواضعه في فساده، تاركًا في مهماته لاجتهاده، ومن أنصف، علم أن طريقتنا هي المثلى، وأنها أحق بالإتباع وأولى.

[الإكسير في علم التفسير: 93]

الفصل الثالث

في الحقيقة والمجاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت