أحدها: قول الفقهاء: الأصل في الأحكام التعليل، فمتى وجدنا للحكم علة مناسبة، أضفناه إليها، أو قسنا عليه ما وجدت فيه، وبهذا استدلوا على صحة العلة القاصرة، أعني: بأن الأصل التعليل، فحكم القاصرة معلل بها بمقتضى الأصل، وبأن فائدتها: فهم الحكم بعلته، وهو أدعى إلى الامتثال.
الثاني: قول الأصوليين ذكر حكم عقب الوصف المناسب يفيد عليته نحو:
{الزانية والزاني فاجلدوا} ، {والسارق والسارقة فاقطعوا} ، أي: لعلة الزنا والسرقة.
قال علماء البيان: وإنما قدم الله تعالى ذكر المرأة في الزنا، وأخره في السرقة، لأنها في السرقة أضعف، وفي الزنا أشبق، وهمتها فيه وإليه أسبق، وهذا مقتض مناسب -لاختلاف هذا الوضع- مليح، فاعرفه.
الثالث: قولهم شرط المجاز، النقل، للعلاقة الظاهرة، فحيث وجدناه تجوزنا، واستعملنا، ولم نتوقف على النقل والاستعمال عن العرب، وهذا أقوى المذهبين فيه.
الرابع: قول الاشتقاقيين: شرط الاشتقاق: اتفاق لفظتين في الحروف الأصول والمعنى، وحصول تغيير ما، فحيث وجدنا ذلك، حكمنا بالاشتقاق، ونحوه: قول القياسيين: شرط القياس: وجود جامع بين الأصل والفرع، فحيث وجدناه قسنا، والله أعلم.
فإن قلت: دليلك على هذا البحث وهو قولك: لو لم يكن التخصيص لمقتض مناسب عيبًا وترجيحًا من غير مرجح، مبني على أصليين: -
أحدهما: أن أفعال الله تعالى معللة.
والثاني: أن الترجيح من غير مرجح محال، والمنع في كليهما مشهور، لاسيما في الأول، ورأى الجمهور منعه.
قلت: أما قولك: إنه مبني على أن أفعال الله تعالى معللة، فجوابه من وجوه:
أحدها: منع كونه مبنيًا على ذلك، وليس على المانع ذكر مستند المنع، لكنا نتبرع به، وهو مبني على مقدمات:
إحداهن: إن معتقدنا، إن وجب النظر في التوحيد، والإلهية، ونحوهما من مقومات الإيمان بالشرع، لكن حصوله بالعقل.
الثانية: إن الشرع إنما يثبت بوجود المعجز.
الثالثة: إن معجز شرعنا القرآن الذي نحن بصدد الكلام فيه في علم البيان.
الرابعة: إن الخلاف في تعليل الأفعال، إنما يوجه البحث فيه بعد وجود هذه المقدمات، وهو فرع عليها؛ لأن موضوعه أفعال الله تعالى، وثبوت أفعاله تعالى متفرع على ثبوت ذاته، ومقومات توحيده، وثبوت ذاته متفرع على وجوب النظر المتفرع على ثبوت الشرع، المتفرع على ثبوت المعجز: الذي هو القرآن المتوقف على أقصى مراتب علم البيان، وإلا لم يتحقق إعجازه، وحينئذ نقول: تعليل الأفعال مبني على علم البيان بالوسائط المذكورة، فلو كان علم البيان مبنيًا على تعليل الأفعال، لزم الدور، وأنه محال.
الثاني: إثبات تعليل الأفعال بالدليل، وقد قرر في مواضع.