آيات الله تعالى بما تضمنه من التكرير والاختلاف الذي يزعم أنه تناقض، فالبحث معه غير ههنا، فليبرر لنا فريته، وليسمع الجواب.
وبالجملة، فشرف هذا العلم بشرط تعلق فائدته وتصورها مدرك بديهة وطبعًا، فلا حاجة له إلى الاستدلال، وإنما تبرعنا بالوجوه المذكورة تبرعًا، وأمثالها كثير ضربنا عنه؛ لأجل الاختصار، والله أعلم.
البحث الثالث
في النظر في الألفاظ والمعاني
لا شك في ورود الكلام قرآنًا كان أو غيره على أنحاء مختلفة، وأحوال متفاوتة، تارة في الوضع، وتارة في العموم والخصوص، وآونة في الزيادة والنقص، ومرة في الإطناب والاختصار، وغير ذلك من الأحوال، فإذا وجدنا شيئًا من ذلك، نظرنا فيه، فمتى وجدنا معنى مناسبًا يصلح أن يكون علة ومقتضيًا له، وجب إضافته إليه متحدًا، كان ذلك المناسب، أو متعددًا، وإنما قلنا ذلك؛ لأن نسبة الكلام المجرد إلى أحواله المعتورة عليه من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وعموم وخصوص، وإيجاز وأطناب مستوية، فلو لم يكن اختصاصه ببعض هذه الأحوال دون بعض في بعض الأماكن، لمقتض وموجب، لكان عبثًا، وترجيحًا من غير مرجح، وهو محال، ومثال ذلك قوله تعالى حيث بشر زكريا بيحيى: {كذلك الله يفعل ما يشاء} ، وحيث بشر مريم بعيسى: {كذلك الله يخلق ما يشاء} ، والخلق أخص من الفعل، إذ كل خلق فعل، وليس كل فعل خلقًا، وحينئذ، فلولا مقتض مناسب خصص أحد الوضعين بالآخر، لكان التخصيص ترجيحًا من غير مرجح.
والذي قلته: إن تقرير هذا المقتضى المناسب، هو أن قصة مريم في عيسى أخص من قصة زكريا في ولادته يحيى، وبيانه: أن قصتيهما اشتركتا في كونهما عجبًا؛ لأن
حصول الولد للشيخ الكبير الذي بلغ من الكبر عتيًا من امرأة عاقر، والبكر البتول من غير أن يمسها بشر، كلاهما على خلاف العادة، وهو عجب، لكن قصة مريم أعجب وأخص من وجوه:
أحدها: أن كل مولود من غير أب عجب، وليس كل عجب مولودًا من غير أب.
الثاني: أن الولادة بغير أب معجزة، وليس ولادة الشيخ والعجوز العقيم معجزًا، لأن ذلك قد وجد في حق إبراهيم وسارة، ولم يعد معجزًا، أقصى ما في الباب أنه كرامة، لكن درجة الكرامة دون درجة المعجز بالضرورة، ولئن سلم أن ولادة العقيم معجز، لكن في بعض الصور، لا في كلها، بخلاف الولادة بغير أب، فإنه معجز في كل صورة.
الثالث: أن كل معجز عجب خارق للعادة، وليس كل عجب خارق للعادة معجزًا، وإذا تقرر بما ذكرته أن قصة مريم أخص، كان ذلك مقتضى مناسبًا، لاختصاصها بالخلق الذي هو من الفعل أخص، وما أظن عاقلًا يفهم هذا البحث، ويتصوره يشك في حسنه، وفي شرف هذا العلم الذي استمد منه، والله أعلم.
واعلم أن لما ذكرنا من إضافة التخصيص إلى المقتضى المناسب نظائر تؤكده، وتشهد لصحته: