كالنقص بالخرس والعمى والشلل، فلزم بالضرورة أن يكون البيان صفة كمال يجب أن تعظم من قامت به، ولهذا لما دخل ضمرة بن ضمرة النهشلي -وكان دميم الخلقة- على النعمان بن المنذر، ازدراه حين رآه، وقال: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) وهو أول من قال هذه الكلمة، فذهبت مثلًا لكل من بان خُبره دون خَبره، فقال له:
ضمرة: أبيت اللعن أيها الملك، إن الرجال لا تكال بالصيعان، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن قاتل، قاتل بجنان، وإن نطق، نطق ببيان، فقال له النعمان: صدقت، لله أبوك، ثم سأله عن أمور، أجابه فيها بجواب شاف، وبيان واف، فعرف حينئذ قدره، وعظمه، وأنعم عليه، وجعله من خاصته.
في الأثر: المرء مخبوء تحت لسانه.
وفي الشعر:
لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده = فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وكائن ترى من صامت لك معجب = زيادته أو نقصه في التكلم
وكل ذلك إشارة إلى البيان مدحًا، والعي ذمًا.
الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن من البيان لسحرًا ) )، يصفه بأن له من التأثير في النفوس، كتأثير السحر من الأعراض الانفعالية عليه، وقد تعسف بعضهم فزعم أن هذا ذم له، لتشبيهه بالسحر المحرم، وهذا كلام من لا يعرف علم البيان، ونحن هنا بصدد تنبيه مثله في هذه الشبهة على مناقب هذا العلم الحسنة، وصفاته المستحسنة، وقد رد عليه العلماء في شرح هذا الحديث، كأبي أحمد العسكري، وأبي الرضا الرواندي، وغيرهما.
ويدل على بطلان قوله أن هذا الحديث صدر سياق الثناء على بعض البلغاء
والتعجب منه، ثم إن تشبيه الشيء بالشيء من جهة، لا توجب تشابههما من كل جهة.
ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أو غيره من أعيان السلف، أنه سمع رجلًا بليغًا يتكلم، فقال: هذا هو السحر الحلال، فحكم عليه بأنه سحر، ووصفه بنقيض وصفه، وهذا أبلغ ما يكون في مدحه، وهو تصريح بنقيض قول هذا المتعسف.
الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل أحدكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار ) )، وفي لفظ: (( ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ) )، وناهيك بعلم يبلغ تأثيره إلى أن يحق الباطل، ويبطل الحق، شرفًا، فكيف به إذا استعمل في تحقيق الحق وإبطال الباطل؟، وهل ترى شيئًا يقوم له، أو يقاومه؟، كلا والله، بل هو كما قال البحتري:
وقاطع للخصوم اللد أن نخبت = قلوبهم، فسرايا عزمه نخب
السادس: أنا نقول: لا خلاف أن القرآن نزل على وفق قانون علم البيان، بل أرباب هذا العلم كملوه من القرآن، وحينئذ كونه على وفق هذا القانون، إما أن يكون هو أكمل أحواله وأتمها، أو لا، فإن كان الأول، فلا حاجة لنا للدلالة على شرف هذا العلم إلى غيره، وإن كان الثاني لزم قيام صفة النقص بالقرآن، وأن له حالة كمال بالقوة لم يخرج إلى الفعل، وهو باطل، فإن التزم ذلك ملحد ممن يطعن في