قال سيبويه: فهذا على «إما» ولا يكون على «إن» التي للجزاء، لأنها لو جعلت للجزاء لاحتيج إلى جواب، لأن جواب «إن» فيما بعدها إذا ألحقتها الفاء، ولا يجوز أن يكون ما قبلها جوابًا لها من الفاء، ألا ترى أنك لو قلت: «أكرمك إن جئتني» لسد ما تقدم حرف الشرط مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء فقلت: «أكرمك فإن جئتني» لم يجز حتى تأتي بالجواب، فتقول: «أكرمك فإن جئتني زدت في إكرامك» فلذلك بطل أن يكون «فإن جزعا» على معنى المجازاة، وصار بمعنى «إما» لأنها تحسن في هذا الموضع، وحذف «ما» للضرورة، وتقديره: فإما جزعت جزعًا وإما أجملت إجمال صبر.
وقال غير سيبويه: هو على «إن» التي للجزاء والجواب محذوف، كأنه قال: إن كان جزعًا شقيت به، وإن كان إجمال صبر سعدت به.
باب
مواضع أنْ المفتوحة الخفيفة
اعلم أن «أن» لها سبعة مواضع:
أحدها: أن تدخل على الفعل الماضي والمستقبل، فتكون هي والفعل اسمًا بمعنى المصدر، وتنصب الفعل المستقبل، كقولك: «أريد أن تقوم» و «يسرني أن تقعد» و «أعجبني أن خرجت» و «أن تسكت خيرٌ لك» و «من لي بأن تسكت» المعنى: أريد قيامك، ويسرني قعودك، وأعجبني خروجك، والسكوت خير لك، ومن لي بسكوتك؟ فهي مع الفعل بعدها اسم كمصدر ذلك الفعل يكون في موضع رفع ونصب وخفض، ومنه قوله تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا} ، معناه: إلا قولهم، ومثله قوله عز وجل: {وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم} ، معناه: إلا دعوتكم، ومثله
قوله تعالى: {أكان للناس عجبًا أن أوحينا} ، المعنى: وحينا، هذا في الماضي، وقال تعالى في المستقبل: {وأن تصوموا خيرٌ لكم} ، {وأن تعفوا أقرب للتقوى} ، {وأن يستعففن خيرٌ لهن} ، {يريد الله أن يخفف عنكم} ، المعنى: والصيام خيرٌ لكم، والعفو أقرب للتقوى ... وقال عز وجل: {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} أن وما مع الفعل بعدهما بتأويل المصدر، والمعنى: من قبل إتيانك ومن بعد مجيئك. وكذلك قوله تعالى: {من بعد أن أظفركم عليهم} و {من قبل أن ينزل عليهم} ، وما أشبه ذلك أن مع الفعل في ذلك بتأويل المصدر.