ووسائلُ كشف العلة تحتاج إلى مزيد بحثٍ وعناية, ولكن لا بأس من ذكر جملةٍ من هذه الوسائل:
أولًا: جمع طرق الحديث, وتتبع الروايات والأسانيد, والنظر في اختلاف الرواة زيادةً ونقصًا, تقديمًا وتأخيرًا, رفعًا ووقفًا, ووصلًا وإرسالًا, فصلًا وإدراجًا, فيتبين الاتصال والانقطاع, والرفع والوقف, والوصل والإرسال, والإدراج والاضطراب, والشذوذ, والتفرد, والتصحيف, والانقلاب, والتقديم والتأخير, وغير ذلك.
وقد كان المحدثون يعتنون بذلك ويؤكدون عليه:
ولذا قال ابن معين:"أكتب الحديث خمسين مرة؛ فإن له آفات كثيرة" [1] .
وقال - أيضًا:"لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" [2] .
وقال - أيضًا:"لو لم نكتب الحديث من مائةِ وجهٍ ما وقعنا على الصواب" [3] .
وقال ابن المديني:"الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" [4] .
وقال أحمد:"الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه, والحديث يفسر بعضه بعضًا" [5] .
وقال أبو حاتم:"لو لم يكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه" [6] .
وللمحدثين في ذلك أخبار كثيرة، ومن ذلك:"ما قال محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي:"جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة, فقال: أما سمعتها من أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد، قال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو درهم، وأنحدر إلى البصرة فأسمع من التبوذكي, قال: شأنك، فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى التبوذكي، فقال له: أما سمعتها من أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر وأنت الثامن
(1) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 212) .
(2) المرجع السابق.
(3) الإرشاد للخليلي (2/ 595) .
(4) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 212) ، مقدمة ابن الصلاح (ص 91) ، تدريب الراوي (1/ 296) .
(5) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 212) .
(6) فتح المغيث (3/ 299) ، تدريب الراوي (2/ 594) .