الصفحة 9 من 38

«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» .

وَرَوَى أَيْضًا الْمَرْفُوعَ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ صَحِيحِهِ بِنَحْوِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «قَالَ اللهُ (: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً، أَوْ لْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» .

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: قَوْلُهُ: كَخَلْقِي التَّشْبِيهُ فِي فِعْلِ الصُّورَةِ وَحْدَهَا لا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ. وَقَالَ أَيْضًا: نَسَبَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِهْزَاءِ، أَوْ التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ فَقَطْ.

قُلْتُ: وَالأَخِيْرُ أَقْرَبُ وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ عِدَّةُ فَوَائِدَ:

إِحْدَاهَا: تَحْرِيْمُ التَّصْوِيرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُضَاهَاةِ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ.

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (عَنِ النَّبيِّ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي؛ إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًَا فَلا تَظَالَمُوا.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيْمِ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ، لأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِِ، فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاة لِخَلْقِ الله تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوْبٍ، أَوْ بِسَاطٍ، أَوْ دِرْهَمٍ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ فَلْسٍ، أَوْ إِنَاءٍ، أَوْ حَائِطٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ، وَرِحَالِ الإِبِل، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ. هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِيرِ. وَأَمَّا اِتِّخَاذُ الْمُصَوَّر فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًَا عَلَى حَائِطٍ، أَوْ ثَوْبًَا مَلْبُوسًَا، أَوْ عِمَامَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لا يُعَدّ مُمْتَهَنًَا فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ، وَمِخَدَّةٍ، وَوِسَادَةٍ، وَنَحْوهَا مِمَّا يُمْتَهَن فَلَيْسَ بِحِرَامٍ. وَلَكِنْ هَلْ يَمْنَعُ دُخُولَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَة ذَلِكَ الْبَيْت؟، فِيهِ كَلامٌ نَذْكُرهُ قَرِيبًَا إِنْ شَاءَ اللهِ، وَلا فَرْق فِي هَذَا كُلّه بَيْن مَا لَهُ ظِلٌّ، وَمَا لا ظِلَّ لَهُ. هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبنَا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهمْ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَف: إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِلٌ انتهى.

وَسَتَأْتِي تَتِمَّةُ كَلامِهِ مَعَ الْكَلامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

[الثَّانِيَةُ] أنَّ التَّصْوِيرَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ الْكَثِيْرَةِ، كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَى كُلِّ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْمُصَوِّرُ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، لأَنَّهُ فَاسِقٌ.

[الثَّالِثَةُ] التَّنْفِيْرُ مِنَ التَّصْوِيرِ.

[الرَّابِعَةُ] الْحُكْمُ عَلَى الْمُصَوِّرِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ، لأَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى مَا اخْتَصَّ بِهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ، فَصَنَعُوا عَلَى مِثَالِهِ، لِيُضَاهِئُوا بِخَلْقِ اللهِ، وَذَلِكَ جَوْرٌ مِنْهُمْ، وَمُجَاوَزَةٌ لِلْحَدِّ، وَوَضْعُ لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الظُّلْمِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ من أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. زَادَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ: إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ، وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ. قَالَ: والظلم فِي مُجَاوَزَةِ الْحَقِّ.

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَابْنُ الأَثِيْرِ: أَصْلُ الظُّلْمِ الْجَوْرُ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَقِّ.

قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إِلَى مَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، لأَنَّ الْجَوْرَ وَمُجَاوَزَةَ الْحَدِّ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، إِذَا كَانَ الْمُعْتَدِي عَلَى حُقُوقِ الْخَلْقِ ظَالِمًَا جَائِرًَا، فَالْمُصَوِّرُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ ظَالِمًَا جَائِرًَا، لأَنَّهُ قَدْ تَعَاطَى مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، وَنَازَعَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت