وَزِنَاهُ الْقُبَلُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ.
وَنَصُّ الْحَدِيثِ: «لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلاَنُ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْىُ، وَالْفَمُ يَزْنِى وَزِنَاهُ الْقُبَلُ، وَالْقَلْبُ يَهُمُّ أَوْ يَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ، أَوْ يُكَذِّبُهُ» .
(فَصْلٌ)
وَمِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَقْبَحِ التَّهَوُّكَاتِ مَا يُفْعَلُ فِي بَعْضِ الأَقْطَارِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إِلَى الإِسْلامِ مِنْ فَتْحِ الْمَدَارِسِ لِتَعْلِيمِ صِنَاعَةِ التَّصْوِيرِ الْمَلْعُونِ فَاعِلُهُ، وَيُسَمُّونَ تِلْكَ الْمَدَارِسَ الْفُنُونَ الْجَمِيلَةَ.
وَكُلُّ مَنْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ، وَلَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًَا لا يَشُكُّ أَنْ فَتْحَ تِلْكَ الْمَدَارِسَ، وَالتَّعْلِيمَ، وَالتَّعَلُّمَ فِيهَا هُوَ عَيْنُ الْمُحَادَّةِ للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (.
وَمِنَ الْقَبَائِحِ وَالْفَضَائِحِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْ تِلْكَ الْمَدَارِسِ الْمُؤَسَّسَةِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ أَنَّهُمْ يُصَوِّرُونَ فِيهَا الْفَاجِرَاتِ الْمَاجِنَاتِ عَارِيَّاتٍ عَلَى أَوْضَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ قَائِمَاتٍ، وَقَاعِدَاتٍ، وَمُضْطَجِعَاتٍ، وَهَذَا عَيْنُ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْخَلاعَةِ مِنْ دُولِ الإِفْرِنْجِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. وَفِي هَذِهِ الأَفْعَالِ الشَّنِيعَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْفُجُورِ، وَالدُّعَاءِ إِلىَ الإِبَاحِيَّةِ مَا لا يَخْفَي عَلَى عَاقِلٍ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنَيْهِمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَدْرِيِّ (قَالَ قَالَ رَسُولُ الله: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعَ مَا شِئْتَ» .
وَتَفْسِيْرُهُ عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ: أَنَّ الَّذِي لا يَسْتَحِي يَفْعَلُ مَا شَاءَ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَلا يُبَالِي. وَهَكَذَا أَهْلُ تِلْكَ الْمَدَارِسِ الْمَلْعُونَةِ هِيَ وَأَهْلُهَا لا يُبَالُونَ بِفِعْلِ الْقَبَائِحِ، إذْ لا دِينَ يَرْدَعُهُمْ عَمَّا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَلا حَيَاءَ، وَلا مُرُوءَةَ يِمْنَعَانِهِمْ مِنْ تَعَاطِي الأُمُورِ الْقَبِيحَةِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (. وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَدِلَّةُ عَلَى تَحْرِيْمِ التَّصْوِيرِ، وَمَشْرُوعِيَةِ طَمْسِ الصُّورِ، وَفِيهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْمُصَوِّرِينَ، وَالإِخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًَا فِيهِ صُورَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ عَكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًَا مُهِينًَا (قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ التَّصَاوِيْرِ.
وَأَمَّا الأحَادِيثُ:
[الْحَدِيثُ الأَوَّلُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، وَهِيَ تُبْنَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: بَقُولُ الله (: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةًِ» . وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ نَحْوَهُ.
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًَا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأى فِي أَعْلاهَا مُصَوِّرًَا يُصَوِّرُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: