الصفحة 10 من 38

أَفْعَالِهِ، وَخَصَائِصِهِ الَّتِي لا يَشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.

[الْخَامِسَةُ] أنَّ فِي وَصْفِ الْمُصَوِّرِينَ بِالظُّلْمِ الْعَظِيمِ إِشْعَارٌ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( [الشُّورَى:21] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَسُنَنَيْ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: (قَالَ اللهُ (: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًَا مِنْهَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ (.

وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبيِّ نَحْوَهُ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيْرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (عَنِ النَّبيِّ نَحْوَهُ.

وَهَكَذَا الأَمْرُ فِي الْمُصَوِّرِينَ لِمُشَارَكَتِهِمْ لِلْمُتَكَبِّرِينَ، وَالْمُتَعَظِّمِينَ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي اقْتَضَتْ قَذْفَهُمْ فِي النَّارِ، وَهِيَ مُنَازَعَتُهُمْ لِلرِّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خَصَائِصِهِ الَّتِي لا يَشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.

وَسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ عَلَى: أنَّ «كُلَّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ» ، وَأَنَّهُ «يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةِ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» ، وَأَنَّ «الْمُصَوِّرِينَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

[السَّادِسَةُ] أَنَّ فِي قَوْلِهِ «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ حَبَّةً، أَوْ شَعِيْرَةً» تَبْكِيتًَا لَهُمْ، وَتَعْجِيزًَا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَاهُ، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فِيهَا رُوحٌ تَتَصَرَّف بِنَفْسِهَا كَهَذِهِ الذَّرَّةِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةَ حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ: أَيْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً فِيهَا طَعْمٌ تُؤْكَلُ، وَتُزْرَعُ، وَتَنْبُتُ، وَيُوجَد فِيهَا مَا يُوجَد فِي حَبَّة الْحِنْطَة وَالشَّعِير وَنَحْوهمَا مِنْ الْحَبِّ الَّذِي يَخْلُقهُ اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا أَمْر تَعْجِيزٍ وَالله أَعْلَم.

[السَّابِعَةُ] أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورِ الْمُجَسَّدَةِ وَغَيْرِ الْمُجَسَّدَةِ، فَكُلٌّ مِنَ النَّوْعَيْنِ صِنَاعَتُهُ حَرَامٌ، وَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ (.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَهِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ التَّصْوِيرَ يَتَنَاولُ مَالَهُ ظِلٌّ، وَمَا لَيْسَ لَهُ ظِلٌّ، فِلِهَذَا أَنْكَرَ مَا يُنْقَشُ فِي الْحِيطَانِ.

قُلْتُ: وَالأَدِلَّةُ عَلَى مَا فَهِمَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ (كَثِيْرَةٌ فِي الأَحَادِيثِ الآتِيَةِ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

[الثَّامِنَةُ] فِيهِ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِ الأَغْلالِ وَأَضْرَابِهِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمَارِقِينَ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ، فَقَدْ زَعَمَ عَدُّو اللهِ أَنَّ بَنِي آدَمَ قَدْ يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ.

قَالَ فِي الصَّفْحَةِ السَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ أَغْلالِهِ: وَإِنَّا لَنَخْشَى أَوْ نَرْجُو، وَقَدْ تُحَقِّقُ الأَيَّامُ أَيَّ الأَمْرَيْنِ أَحْسَنَ: أَنْ يَأْتِي الزَّمَنُ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: الإِنْسَانُ الصِّنَاعِيُّ، وَالْحَيَوَانُ الصِّنَاعِيُّ. وَهَذا مَالا يَزَالُ الْعِلْمُ أَمَامَهُ حَيْرَانَ عَاجِزًَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْعَجْزِ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي الاسْتِسْلامِ لِلاخْفِاقِ، بَلْ مَا فَتِئَ يُهَاجِمُ وَيُنَاضِلُ بِعَزْمِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُنْتَصِرٌ لا مَحَالَةَ. هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ.

وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ لَهُ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى لأَشْبَاهِهِ وَسَلَفِهِ: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًَا (.

وَيُقَالُ أَيْضًا: قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ خَلْقَ جَمِيعِ الأَشْيَاءِ، وَإِيْجَادَ الْحَيَاةِ فِي كُلِّ مَخْلُوقٍ هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّتِي لا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، وَهَذَا مِمَّا لا يَشُكُّ فِيهِ مُسْلِمٌ، وَجَمِيعُ الأَدْيَانِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى هَذَا.

وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ مُقِرِّينَ بِهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَلِكَ عَنْهُمْ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (و (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (و (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (، فَهَؤُلاءِ الْمُشْرِكُونَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ صَاحِبِ الأَغْلالِ، وَأَضْرَابِهِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ تَشْرِيكِ الْمَخْلُوقِينَ مَعَ الْخَالِقِ فِي خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ.

وَيُقَالُ أَيْضًا لِصَاحِبِ الأَغْلالِ: لا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أنَّ ظَنَّكَ كَاذِبٌ، وَأَنَّ رَجَاءَكَ خَائِبٌ، فَلَنْ يَأْتِيَ الزَّمَنُ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ بِعَقْلِكَ الْفَاسِدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت