أَبَدًَا. وَلَنْ يَقْدِرَ أَعْدَاءُ اللهِ عَلَى خَلْقِ ذَرَّةٍ، وَلا بَعُوضَةٍ، وَلا حَبَّةِ شَعِيْرٍ، فَضْلًا عَنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ. وَلَوْ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَخْلُقُوا ذَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ حَبَّةً وَاحِدَةً، لَمَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ جَمَعُوا جَمِيعَ قُوَاهُمْ، وَأَسْبَابَهُمْ.
وَقَوْلُ الْخَبِيثِ: وَهَذَا مَا لا يَزَالُ الْعِلْمُ أَمَامَهُ حَيْرَانَ إِلَى آخِرِهِ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ عِلْمَ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ الْكِيمَاوِيَّةِ.
وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: وَلا يَزَالُ عِلْمُهُمْ كَذَلِكَ حَيْرَانَ عَاجِزًَا أَبَدَ الآبِدِينَ، وَمَنْ شَكَّ فِي هَذَا فَلَيْسِ بِمُسْلِمٍ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًَا مَنْ يَشُكُّ فِي تَفَرُّدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِخَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ أبدًَا، كَمَا كَانَ مُتْفَرِدًَا بِذَلِكَ فِي الأَزَلِ!.
وَلا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ مُهَاجَمَةَ أَعْدَاءِ اللهِ تَعَالَى، وُمَناضَلَتَهِمْ فِي إِيْجَادِ الْحَيَاةِ سَتَذْهَبُ سُدَىً، وَلَوْ فَعَلُوا مِنَ الْوَسَائِلِ وَالأَسْبَابِ مَا فَعَلُوا، فَمَآلُهُمْ إِلَى الْعَجْزِ وَالإِخْفَاقِ لا مَحَالَةَ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَجْزِهِمْ وَإِخْفَاقِهِمْ فِي هَذَا فَقَدْ شَكَّ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَتَفَرُّدِهِ بِخَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَمَنْ شَكَّ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَهُوَ ضَالٌ كَافِرٌ. وَقَدْ أَقَامَ عَدُوُّ اللهِ الظُّنُونَ الْكَاذِبَةَ مِنَ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ مَقَامَ الْعِلْمِ الْمُحَقَّقِ الَّذِي لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًَا، وَهَذَا مِنْ تَهَوُّرِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَجَهْلِهِ بِعَظَمَتِهِ وَجَلالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَتَفَرُّدِهِ بِالْخَلْقِ وَالأَمْرِ، فَلا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَلا فِي إِلُوهِيَّتِهِ، وَلا فِي أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ. وَمَنْ ظَنَّ أَوْ رَجَا أَنْ يَكُونَ للهِ شُرَكَاءَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأَفْعَالِهِ يَخْلُقُونَ أَنَاسِىَّ وَحَيْوَانَاتٍ مِثْلَ مَخْلُوقَاتِهِ، فَمَا قَدَرَ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَمَنْ اغْتَرَّ بِظُنُونِ أَعْدَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَجَعَلَهَا عِلْمًَا مُحَقَّقًَا لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، فَهُوَ مِنْ أَحْمَقِ النَّاسِ وَأَقَلِّهِمْ عَقْلًا، وَلَيْسَ وَرَاءَ جَهْلِهِ وَغُرُورِهِ جَهْلٌ وَغُرُورٌ. فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي وَإِخْوَانِي الْمُسْلِمِينَ مِمَّا ابْتَلَى بِهِ صَاحِبَ الأَغْلالِ وَأَمْثَالِهِ. وَنَسْأَلُهُ تَعَالى أَنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنِهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ.
[الْحَدِيثُ الثَّانِي] حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَلَهُ أَرْبَعُ طُرُقٍ:
[الطَّرِيقُ الأُولَى] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
[الْوَجْهُ الأَوَّلُ] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ؛ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًَا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ» ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً، أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: بِقِرَامٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَتْ: دَخَلَ النَّبيُّ عَلَيَّ، وَقَدْ سَتَرْتُ نَمَطًَا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَنَحَّاهُ، فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلِلنَّسَائِيِّ: أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًَا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ، فَنَزَعَهُ، قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ، يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا، قَالَ: لَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلِلنَّسَائِيِّ: قَالَتْ: كَانَ فِي بَيْتِي ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ إِلَى سَهْوَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ؛ أَخِّرِيهِ عَنِّي» ، فَنَزَعْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِنَحْوِهِ.
[الْوَجْهُ الثَّانِي] عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ، فَهَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللهِ» رَوَاهُ