، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ.
فَهَذَا مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الصُّورِ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَانُوا يَعْبُدُونَ الصُّورَ الَّتِي لا ظِلَّ لَهَا.
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبيِّ، فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًَا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورُ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَوَائِلُهُمْ لِيَتَأَنَّسُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الصُّورِ، وَيَتَذَكَّرُوا أَحْوَالَهُمُ الصَّالِحَةَ، فَيَجْتَهِدُوا كَاجْتِهَادِهِمْ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا مُرَادَهُمْ، وَوَسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ أَسْلافَكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ هَذِهِ الصُّورَ، وَيُعَظِّمُونَهَا، فَاعْبُدُوهَا، فَحَذَّرَ النَّبيُّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، سَدًَّا لِلذَّرِيعَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَيْضًا: أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يُصَوِّرُونَ صُورَةَ مَرْيَمَ، وَالْمَسِيْحِ، وَغَيْرِهِمَا، وَيَعْبُدُونَهَا.
وَذَكَرَ الإمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ أَمْثِلَةً كَثِيْرَةً مِنْ تَلاعُبِ الشَّيْطَانِ بِالنَّصَارَى.
قَالَ فِيهَا: وَتَلاعَبَ بِهِمْ فِي تَصْوِيرِ الصُّورِ فِي الْكَنَائِسِ، وَعِبَادَتِهَا، فَلا تَجِدُ كَنِيسَةً مِنْ كَنَائِسِهِمْ تَخْلُو مِنْ صُورَةِ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحِ، وَجُرْجُسَ، وَبُطْرُسَ، وَغَيْرِهِمِ مِنَ الْقَدِّيسِينَ عِنْدَهُمْ، والشهداء، وَأَكْثَرُهُمْ يَسْجُدُونَ لِلصُّورِ وَيَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، حَتَّى لَقَدْ كَتَبَ بِطْرِيقُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ كِتَابًَا يَحْتَجُّ فِيهِ لِلسُّجُودِ لِلصُّورِ: بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى أَنْ يُصَوِّرَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ صُورَةَ السُّارُوسِ، وَبِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ لَمَّا عَمِلَ الْهَيْكَلَ عَمِلَ صُورَةَ السَّارُوسِ مِنْ ذَهَبٍ، وَنَصَبَهَا دَاخِلَ الْهَيْكَلِ، ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ: وَإِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مِثَالُ الْمَلِكِ يَكْتُبُ إِلَى بَعْضِ عُمَالِهِ كِتَابًَا، فَيَأْخُذُهُ الْعَامِلُ، وَيُقَبِّلُهُ، وَيَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَقُومُ لَهُ، لا تَعْظِيمًَا لِلْقِرْطَاسِ وَالْمِدَادِ، بَلْ تَعْظِيمًَا لِلْمَلِكِ، كَذَلِكَ السُّجُودُ لِلصُّورِ تَعْظِيمٌ لاسْمِ ذَلِكَ الْمُصَوَّرِ، لا لِلأَصْبَاغِ وَالأَلْوَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَبِهَذَا الْمِثَالِ بِعَيْنِهِ عُبِدَتِ الأَصْنَامُ، وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْمُشْرِكُ عَنْ مُوسَى وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى السُّجُودِ لِلصُّورِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَثَابَةِ مَا يُذْكَرُ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ نَقَشَ خَطِيئَتَهُ فِي كَفِّهِ كَي لا يَنَسَاهَا.
فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ التَّذَلُّلِ، وَالْخُضُوعِ، وَالسُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ تِلْكَ الصُّورِ، وَإِنَّمَا الْمَثَلُ الْمُطَابِقُ لِمَا يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكُونَ مِثَالُ خَادِمٍ مِنْ خَدَمِ الْمَلِكِ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَسَجَدَ لَهُ، وَعَبَدَهُ، وَفَعَلَ بِهِ مَا لا يَصْلُحُ أَنْ يُفْعَلَ إِلاَّ مَعَ الْمَلِكِ، وَكُلُّ عَاقِلٍ يَسْتَجْهِلُهُ وَيَسْتَحْمِقُهُ فِي فِعْلِهِ، إذْ قَدْ فَعَلَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ الْمَلِكِ دُونَ عَبِيدِهِ مِنَ الإِكْرَامِ، وَالْخُضُوعِ، وَالتَّذَلُّلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إِلَى مَقْتِ الْمَلِكِ لَهُ، وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى إِكْرَامِهِ، وَرَفْعِ مَنْزِلَتِهِ، كَذَلِكَ حَالُ مَنْ سَجَدَ لِمَخْلُوقٍ، أَوُ لِصُورَةِ مَخْلُوقٍ، لأَنَّهُ عَمِدَ إِلَى السُّجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رِضَا الرَّبِّ، وَلا يَصْلُحُ إِلاَّ لَهُ، فَفَعَلَهُ لِصُورَةِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، وَسَوَّى بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ وَرَاءَ هَذَا فِي الْقُبْحِ، وَالظُّلْمِ شَيْءٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (اهـ.
وَقْد رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَهَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: أَلا يَتْبَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ، وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ، وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ، فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ » الْحَدِيثَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَلا لِتَلْحَقْ كُلُّ أُمَّةٍ بِمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ صَنَمًَا، وَلا وَثَنًَا، وَلا صُورَةً، إِلاَّ ذَهَبُوا حَتَّى يِتَسَاقَطُوا فِي النَّارِ» .