وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ كِفَايَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مُشَابَهَةِ قَوْمِ نُوحٍ، وَالنَّصَارَى، وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَطَوَائِفِ الإِفْرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَحِقَهُ اسْمُ الْكُفْرِ وَالضَّلالِ فِي صِنَاعَةِ الصُّورِ، وَاتِّخَاذِهَا.
وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى مُشَابَهَتِهِمْ فَلا يَأْمَنُ أَنْ يُحْشَرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (.
قَالَ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (: أَزْوَاجُهُمْ أَشْبَاهُهُمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيْرٍ (يَعْنِي بِأَزْوَاجِهِمْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (. قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ: أيْ جُمِعَ كُلُّ شَكْلٍ إِلَى نَظِيْرِهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (قَالَ: الضُّرَبَاءُ كُلُّ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (خَطَبَ النَّاسَ، فَقَرَأَ (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (فَقَالَ: تَزَوُّجُهَا أَنْ تُؤَلَّفَ كُلُّ شِيعَةٍ إِلَى شِيعَتِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: هُمَا الرَّجُلانِ يَعْمَلانِ الْعَمَلَ فَيَدْخُلانِ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (الأَمْثَالُ مِنَ النَّاسِ جُمِعَ بَيْنَهُمْ.
قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ: وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ، وَالآيَةِ قَبْلَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَشَبَّهَ بِأَعْدَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي صِنَاعَةِ الصُّورِ، وَاتِّخَاذِهَا، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ كَانَ بَدْءُ الشِّرْكِ فِي بَنِي آدَمَ بِسَبَبِ الصُّورِ كَمَا:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا مِهْرَانُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ (وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (قَالَ: كَانُوا قَوْمًَا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ، فَصَوَّرُوهُمْ، فَلَمَّا مَاتُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ، فَعَبَدُوهُمْ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الْمُطَهَّرِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَزِيدَ بْنَ الْمَهَلَّبِ، قَالَ: فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ: ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللهِ، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ وَدًَّا، قَالَ: وَكَانَ وَدٌّ رَجُلًا مُسْلِمًَا، وَكَانَ مُحَبَّبًَا فِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَجَزِعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُمْ عَلَيْهِ تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أُصَوِّرَ مِثْلَهُ، فَيَكُونُ فِي نَادِيكُمْ فَتَذْكُرُونَهُ؟، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَوَّرَ لَهُمْ مِثْلَهُ، قَالَ: وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ، وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ، قَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ تِمْثَالًا مِثْلَهُ، فَيَكُونُ لَهُ فَيَ بِيتُهُ فَتَذْكُرُونَهُ؟، قَالُوا: نَعَمْ، فَمَثَّلَ لَكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالًا مِثْلَهُ، فَأَقْبَلُوا، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ، قَالَ: وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ، فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ، وَتَنَاسَلُوا، وَدَرَسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلادُ أَوْلادِهِمْ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا عُبِدَ غَيْرُ اللهِ: الصَّنَمُ الَّذِي سَمَّوْهُ وَدًَّا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (: صَارَتْ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لآلِ ذِي الْكَلاعِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أ: َنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًَا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا