إِعْلانُ النَّكِيْرِ عَلَى الْمَفْتُونِينَ بِالتَّصْوِيرِ
مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ الشَّائِعَةَ بِمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَىْءٌ قِيلَ تُرِكَتِ السُّنَّةُ؟، قَالُوا: وَمَتَى ذَاكَ؟، قَالَ: إِذَا ذَهَبَتْ عُلَمَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ جُهَلاَؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ،
وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ.
(الْمُقَدِّمَةُ (
الْحَمْدُ للهِ الْمُنْفَرِدِ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيْرِ، الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ التَّصْوِيرَ، تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيْرٌ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللهِ وَهُوَ عَنِ الإِيْجَادِ عَاجِزٌ حَقِيْرٌ، لا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ ذَرَّةٍ وَلا بَعُوضَةِ وَلا حَبَّةٍ مِنْ شَعِيْرٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُنَازِعُ اللهَ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ التَّصْوِيرِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَوِّرِينَ مِنْ عَذَابِ السَّعِيْرِ، فَكُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْبَشِيْرُ النَّذِيرُ، وَمَنْ أَمَرَ بِالتَّصْوِيرِ أَوْ رَضِيَ بِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِفَاعِلِ هَذَا الذَّنْبِ الْكَبِيْرِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَلا وَزِيرَ وَلا ظَهِيْرَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي كَسَرَ الأَصْنَامَ وَمَحَى التَّصَاوِيرَ، وَحَذَّرَ مِنْ صِنَاعَتِهَا وَاتَّخَاذِهَا غَايَةَ التَّحْذِيرِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الْهِدَايَةِ وَالتَّبْصِيرِ، وَعَلَى مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كَبِيْرٍ وَصَغِيْرٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًَا كَثِيْرًَا.
أَمَّا بَعْدُ. فَقَدْ قَالَ اللهُ تعالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًَا مُهِينًَا (قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الْمُصَوِّرِينَ. وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَابْنُ كَثِيْرٍ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيْرِ أَبْلَغُ تَحْذِيْرٍ مِنَ التَّصْوِيرِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ عَظُمَتِ الْبَلْوَى بِصِنَاعَةِ الصُّورِ، وَبَيْعِهَا، وَابْتِيَاعِهَا. وَافْتَتَنَ بِاقْتِنَائِهَا، وَاقْتِنَاءِ الْجَرَائِدِ، وَالْمَجَلاَّتِ، وَالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ كَثِيْرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ مِنَ مُعَلِّمِينَ، وَمُتَعَلِّمِينَ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وَصَارَ نَصْبُهَا فِي الْمَجَالِسِ وَالدَّكَاكِينَ عَادَّةً مَأْلُوفَةً عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنْكَرَ صِنَاعَتَهَا، فَأَقُلُّ الأَحْوَالِ أَنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهِ، وَيَهْمِزُوهُ، وَيَلْمِزُوهُ. وَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى اسْتِحْكَامِ غُرْبَةِ الإِسْلامِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ بِمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًَا، وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ هَدْمِ الأَوْثَانِ، وَكَسْرِ الأَصْنَامِ، وَالصُّلْبَانِ، وَطَمْسِ الصُّورِ وَلَطْخِهَا، فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَهَذَا الْمُنْكَرُ الذَّمِيمُ أَعْنِي صِنَاعَةَ الصُّورِ، وَنَصْبَهَا فِي الْمَجَالِسِ وَغَيْرِهَا مَوْرُوثٌ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ عَنِ النَّصَارَى، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَكَذَلِكَ عَنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ الصُّورَ وَيَنْصِبُونَهَا، كَمَا سَتَأْتِي الإِشْارَةُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي سَتَأْتِي قَرِيبًَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَلَكِنْ كَانَ عَمَلُهَا وَاتِّخَاذُهَا قَلِيلًا عِنْدَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّصَارَى. وَقَدْ صَوَّرَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ صُورًَا مِنْهَا صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَصُورَةُ إِسْمَاعِيلَ، وَصُورَةُ مَرْيَمَ فِي حِجْرِهَا عِيسَى.
فَالْمُصَوِّرُونَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مُتَشَبِّهُونَ بِقَوْمِ نُوحٍ، وَبِالنَّصَارَى، وَبِمُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَقَدْ رَوَى غَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (عَنِ النَّبيِّ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَدْ احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيْمَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبِّهِ بِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِه (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِيُّ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا» .