تقريظ فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَبَعْدُ. فَفِي تَصْوِيرِ الصَّالِحِينَ، وَالْوُجَهَاءِ، وَالنِّسَاءِ الْخَلِيعَاتِ، وَالْمُمَثِّلاتِ وَنَحْوِهِمْ مَا يُفْسِدُ الْعَقِيدَةَ، أَوُ يُضْعِفُهَا، وَمَا يُوجِبُ الْفِتْنَةَ، وَيُثِيْرُ الشَّرَّ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ عُمُومًَا مِنَ الْمُضَاهَاةِ بِخَلْقِ اللهِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الزَّيْغِ وَالانْحِلالِ فِي تَصْوِيرِهِمْ لِصَالِحِيهِمْ، وَزُعَمَائِهِمْ، وَنِسَائِهِمْ، وَمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى مَا قَصَدُوا مَعَهُ غَزْوَ الْبِلادِ الإِسْلامِيَّةِ بِهَذِهِ الصُّورِ الْفَتَّانَةِ، إِفْسَادَ الأَخْلاقِ وَإِضْعَافًًَا لِلْغَيْرَةِ، وَإِغْرَاءً لَنَا بِمَا فُتِنُوا بِهِ، حَتَّى نُقَلِّدَهُمْ فِي صَنِيعِهِمْ، وَنَسْلُكَ مَسْلَكَهُمْ، وَنُصَابَ فِي عَقَائِدِنَا بِمَا أُصِيبُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالإِلْحَادِ، وَيَذْهَبَ مَا لَدَيْنَا مِنْ عَفَافٍ، وَسَلامَةٍ فِي الأَخْلاقِ، وَمُحَافَظَةٍ عَلَى الأَعْرَاضِ، وَيَهُونَ عَلَيْنَا انْتِهَاكُ الْحُرُمَاتِ. مِنْ أَجْلِ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَرَدَتِ النُّصُوصُ عَنِ الرَّسُولِ بِتَحْرِيْمِ التَّصْوِيرِ، وَلَعْنِ الْمُصَوِّرِينَ، وَتَوَعُّدِهِمْ بِالْعَذَابِ الأَلِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَعَظِيمِ الْجَرَائِمِ، كَمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْ اتِّخَاذِهَا، وَتَحْرِيْمُ تَعْلِيقِهَا مُطْلَقًَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْمُؤَسَّسَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، وَالشَّرِكَاتِ، وَالنَّوَادِي، وَالدَّكَاكِينَ وَنَحْوِهَا عَلَى النَّوَافِذِ، أَوْ الأَبْوَابِ، أَوُ الْجُدْرَانِ مُجَسَّمَةً، أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ، تَعْظِيمًَا لَهَا، أوْ إِحْيَاءً لِذِكْرَى صَاحِبِهَا، أَوْ لَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ، وَالأَغْرَاضِ.
هَذَا، وَقَدْ اطَّلَعْتُ عَلَى مَا كَتَبَهُ الأَخُ الْفَاضِلُ الشَّيْخُ حُمُودُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التويجريُّ، فَوَجَدْتُهُ وَالْحَمْدُ للهِ وَافِيًَا بِالْمَطْلُوبِ، مُسْتَقْصِيًَا لأَطْرَافِ الْمَوْضُوعِ، فَقَدْ أَتَى عَلَى الأَدِلَّةِ الَّتِي تُحَرِّمُ ذَلِكَ، وَتُحَذِّرُ مِنْهُ، وَالَّتِي تُصَرِّحُ بِفُحْشِ الْجَرِيْمَةِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ فَاعِلِهَا، وَمَصِيْرِ الأُمَّةِ الَّتِي يَفْشُو فِيهَا ذَلِكَ دُونَ نَكِيْرٍ، مَعَ الْبَيَانِ لِوَجْهِ الدِّلالَةِ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَالاسْتِقْصَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، وَذَكَرَ الطُّرُقَ الْمُتَعَدِّدَةَ لِلأَحَادِيثِ، وَنَسَبَهَا إِلَى دَوَاوِينِهَا، وَبَيَّنَ دَرَجَاتِهَا، وَشَرَحَ الْحِكْمَةَ الَّتِي رُوعِيَتْ فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ مِنَ الأَحْكَامِ، لِيَكُونَ أَرْجَى لِقَبُولِ الْعُقُولِ، وَأَدْعَى إِلَى اطْمِئْنَانِ النُّفُوسِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّسَالَةُ، وَذَكَرَ آرَاءَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ لِلاسْتِئْنَاسِ، وَقَطْعًَا لأَعْذَارِ مَنْ يَتَعَلَّقُ عَلَى أَقْوَالِ الْمُجْتَهْدِينَ، وَيَتَعَلَّلُ بِهَا لِهَوَاهُ. وبَيَّنَ كَيْفَ أَفْضَتْ صُورُ الصَّالِحِينَ قَدِيْمًَا إِلَى الشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَإِلَى الْفِتْنَةِ، وَانْتِشَارِ الْفَاحِشَةِ، وَقَضَاءِ الْوَطَرِ فِي غَيْرِ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الآثَارِ، وَالْوَقَائِعِ التَّارِيْخِيَّةِ.
وَلَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ الْمُبَارَكَةُ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي وَقْتٍ افْتَتَنَ النَّاسُ فِيهِ بِالتَّصْوِيرِ، وَتَعْلِيقِ الصُّورِ فِي شَتَى الأَمَاكِنِ، مَعَ الارْتِيَاحِ إِلَيْهَا، وَعَدَمِ الْمُبَالاةِ بِمُخَالَفَتِهَا للنُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةِ، حَتَّى أَنِسَ الْجُمْهُورُ بِهَا زَعَمُوا أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، أَوْ هَوَّنُوا الأَمْرَ فِيهَا، لَمَّا شَاهَدُوا كَثْرَةَ الصُّورِ فِي الْبِلادِ الإِسْلامِيَّةِ عَلَى مَرْأَىً مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَقِلَّةِ الْمُنْكِرِينَ. وَلَوْ عَلِمُوا سُنَّةَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لا حَيَاةَ لَهُ مَعَ يَقْظَةِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ، وَعِنَايَةِ الدُّعَاةِ إِلَيْهِ بِنَشْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ إِنَّمَا يَصُولُ وَيَجُولُ حِينَمَا يَنْدَرِسُ الْعِلْمُ، وَيَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ، أَوْ حِينَمَا يَغْفَلُ رِجَالُ الدِّينِ عَنْ وَاجِبِهِمْ، أَوْ يُدَاهِنُوا غَيْرَهُمْ، أَوْ تَضْعُفُ شَوْكَتُهُمْ، وَلا يَجِدُونَ مِنْ وِرَائِهِمْ مَنْ يُنَفِّذُ مَقَالَتَهُمْ، أَوْ يَنْصُرُهْمْ فِي أَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ مَنْ قَرَأَهَا، أَوْ سَمِعَهَا وَأَنْ يَجْزِيَ مَنْ ألَّفَهَا عَنِ الإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَأَنْ يُبَصِّرَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًَا أَئِمَّتَهُمْ، وَرَعِيَّتَهُمْ، عُلَمَاءَهُمْ، وَالأُمَّيِّينَ مِنْهُمْ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وَيُوَفِّقَهُمْ لِلأَخْذِ بِهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
حُرِّرَ فِي 19/ 1/1382 هـ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي
الْمُدَرِّسُ بِكُلِيَّةِ الشَّرِيعَةِ بِالرِّيَاضِ