قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذَا السِّيَاقِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَ كَانَتْ مِنْ مَعْبُودَاتِ الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الصُّورَ الْمُجَسَّمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الصُّورَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ فِي قَوْمِ نُوحٍ كَانَ سَبَبُهَا تَصْوِيْرَ الصَّالِحِينَ، وَنَصْبَ صُورِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يُصَوِّرُونَ صُورَ الْقِدِّيسِينَ عِنْدَهُمْ، وَيَسْجُدُونَ لِلصُّورِ، وَيَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يُؤْمِنُ جِهَالُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوْلادِهِمْ، وَأَوْلادِ أَوْلادِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الصُّورَ الَّتِي يَنْصِبُونَهَا فِي مَجَالِسِهِمْ، وَدَكَاكِينِهِمْ، وَلا سِيَّمَا صُورُ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْكُبَرَاءِ الَّذِينَ قَدْ افْتَتَنَ السُّفَهَاءُ بِتَصْوِيرِهِمْ، وَنَصْبِ صُورِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَالدَّكَاكِينَ أَكْثَرَ مِمَّا افْتَتَنُوا بِغَيْرِهِمْ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ اتَّخَذَ نَصْبَ صُورِ بَعْضِهِمْ رَسْمِيًَّا فِي كَثِيْرِ مِنَ الْمَجَالِسِ الرَّسْمِيَّةِ فِي زَمَانِنَا، وَهَذَا عَيْنُ الْمُحَادَّةِ للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًَا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (.
وَمَا يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الْعُصَاةُ مِنْ تَصْوِيرِ الْكُبَرَاءِ، وَنَصْبِ صُورِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَغَيْرِهَا لا يَشُكُّ عَاقِلٌ، شَمَّ أَدْنَى رَائِحَةٍ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ أَنَّهُ مِثْلُ مَا فَعَلَهُ قَوْمُ نُوحٍ مِنْ تَصْوِيرِ الصَّالِحِينَ، وَنَصْبِ صُورِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَهَذَا مِصْدَاقُ قَوْلِهِ «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًَا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًَا بِذِرَاعٍ» .
وَمَا وَقَعَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ بِسَبَبِ الصُّورِ لا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ مِثْلُهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعُوا رَعَايَاهُمْ مِنْ صِنَاعَةِ التَّصَاوِيْرِ وَاتِّخَاذِهَا، وَأَنْ يَطْمِسُوا مَا يُوجَدُ مِنْهَا عَمَلًا بِقَوْلِ النَّبيِّ لِعَلِيٍّ (: «لا تَدَعُ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا» .
وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (. فَإِذَا كَانَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدُ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَدْ خَافَ عَلَيْهِ وَعَلَى بَنِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، مَعَ كَسْرِهِ لَهَا بِيَدِهِ، وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ مَعْصُومًَا عَنْ عِبَادَتِهَا، فَكَيْفَ لا يَخَافُ عِبَادَتَهَا مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ؟!.
وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: وَمَنْ يَأْمَنُ الْبَلاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْبَلاءِ نَصْبُ الصُّورِ فِي الْمَجَالِسِ وَالدَّكَاكِينَ وَغَيْرِهَا، مِمَّا قَدْ افْتَتَنَ بِهِ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ.
وَالصُّورُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الأَصْنَامِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَتَدْخُلُ فِيمَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يَجْنُبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَتَهَا.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الصَّنَمِ وَالأَصْنَامِ، وَهُوَ مَا اتُّخِذَ إِلَهًَا مِنْ دُونِ اللهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ لَهُ جِسْمٌ أَوْ صُورَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِسْمٌ أَوْ صُورَةٌ فَهُوَ وَثَنٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَثَنِ وَالصَّنَمِ: أَنَّ الْوَثَنَ كُلُّ مَالَهُ جُثَّةٌ مَعْمُولَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الأَرْضِ، أَوْ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، كَصُورَةِ الآدَمِيِّ، تُعْمَلُ وَتُنْصَبُ فَتُعْبَدُ، وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلا جُثَّةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَأَطْلَقَهُمَا عَلَى الْمَعْنَيَّيْنِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَثَنُ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبيِّ، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لِي: «أَلْقِي هَذَا الْوَثَنَ عَنْكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَمِنْ إِطْلاقِ الْوَثَنِ عَلَى الصَّلِيبِ قَوْلُ الأَعْشَى:
تَطُوفُ الْعُفَاةُ بِأَبْوَابِهِ كَطَوْفِ النَّصَارَى بِبَيْتِ الْوَثَنِ
قَالَ الأَزْهَرِيُّ عَنْ شَمِرٍ: أَرَادَ بِالْوَثَنِ الصَّلِيبَ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي لِسَانِ الْعَرِبِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: بَيْنَ الْوَثَنِ وَالصَّنَمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَإِنْ كَانَ مُصَوَّرًَا فَهُوَ وَثَنٌ، وَصَنَمٌ انتهى.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَلِىٍّ (عَنِ النَّبيِّ: أَنَّهُ سَمَّى الصُّورَةَ صَنَمًَا، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي آخِرِ الأَحَادِيثِ الَّتِي سَتَأْتِي قَرِيبًَا إِنْ شَاءَ