فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 604

ويومٍ شَهِدناه سُليمًا وعامِرًا ... قليلٍ سِوى الطّعنِ النِّهالِ نَوافِلُه

كقول الآخر:

في ساعةٍ يُحَبَُّها الطَّعامُ

أراد شهدنا فيه، ويُحَبُّ فيها، ثم حَذَف الجارّين توسُّعًا، والأصل: لا تَجزِي فيه، ثم لا تَجزِيه، ثم لا تَجزِي، وإنما جاز حَذف الجارِّ من ضمير الظرف كما جازَ حذفُه من مُظهره، إذ كنت تقول: قمتُ في اليوم، وقمتُ اليومَ،

[أمالي ابن الشجري: 1/ 7]

كذلك قلت: اليوم قمتُ فيه، واليوم قمتُه، ولولا تقدير العوائدِ من هذه الجمل لأضيف اليومُ إلى لا تَجزِي، فقيل: واتقوا يوم لا تجزي نفس؛ لأن إضافته إلى الجملة تخرج الجملة عن أن تكونَ وصفا، وإذا خرجت عن أن تكون وصفا بطل الاحتياج إلى عائد منها لفظا وتقديرًا.

وحذفُ العائد من الصلة إنما يقع بالمنصوب المتصل غالبًا نحو: قام الذي أكرمتُ

و {قَالَ أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمتَ عَلَيَّ} فإن كان مجرورًا منصوبا في المعنى جاز حذفه، كقولك: هدا الذي زيدٌ ضاربٌ، وعجبت مما أنت صانعٌ، ومثله: {فَاقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} التقدير: ضاربه وصانعه وقاضيه، فإن اتصل العائد بحرف جر، نحو قام الذي مررت به، فحذفه قليل جدًا، فمما جاء من ذلك في الشعر القديم قول القائل:

وقد كنتَ تُخفي حُبَّ سَمراءَ حِقبةً ... فَبُح لانَ منها بالذي منها بالذي أنتَ بائحُ

الأصل: بائحٌ به، ثم بائحُه، ثم بائح، ومثله في التنزيل: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ} الأصل: يُبشِّر به، ثم يبشِّرُه، ثم يبشِّرُ.

فإن كان العائد متصلا مرفوعًا في المعنى لم يجز حذفُه كقولك: قام الذي أعجب ضربه زيدًا، لا يجوز الذي أعجب ضربٌ زيدًا؛ لأن الهاء فاعلُ المصدر، وإنما جاز حمل المجرور على المنصوب لاتفاقهما في كونهما فضلتين، وقد شبَّهوا العائد من جملة الخبر إلى المخبر عنه، بالعائد من جملة الصفة إلى الموصوف فحَذَفُوه، وحذفُه ضعيف، لا يحسُن استعمالُه في حال السَّعَة، وإنما قَبُح ذلك لأن الفعل إذا وقع خبرًا وكان متعدّيًا فحذفتَ الضمير الذي تعدّى إليه، تسلّط الفعلُ على المبتدأ

[أمالي ابن الشجري: 1/ 8]

فنصبه، كقولك في زيد ضربته: زيدًا ضربتُ، فهذا وجه الكلام.

فإن قلت: زيدٌ ضربتُ، على إرادة الهاء لم يجز ذلك إلا في الشعر، على أن الروايات قد تظاهرت عن ابن عامر بأنه قرأ (وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى) في سورة الحديد خاصّة، وكذلك جاءت الروايةُ بالرفع في قول الراجز:

قد أصبحَت أمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ... عَلَيّ ذَنبًا كلُّهُ لم أصنَعِ

روَوه بالرفع لمّا تقدَّم على الفعل، وحجَز حرفُ النفي بينهما، وإن كان ذلك لا يمنع من تسلط الفعل عليه، فلما كان الضميرُ متى حذفته من جملة الخبر تسلط الفعلُ على المبتدأ، ومتى حذفته من جملةِ الصفة لم يتسلَّطِ الفعل على الموصوف؛ لأن الصفة كبعض الموصوف، كما أن الصلة كبعض الموصول: جاز حذفُ العائد من جملة الصفة، وقَبُح حذفه من جُملة الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت