[أمالي ابن الشجري: 1/ 9]
والبيت المنسوب إلى الحارث بن كلدة من مقطوعة متضمنة ألطف عتاب وأحسَنَه، قالها وقد خرج إلى الشام، فكتب إلى بني عمِّه فلم يُجيبوه، وهي:
ألا أَبلِغ مُعاتَبَتِي وقولِي ... بَنِي عَمِّي، فقد حَسُنَ العِتابُ
وسَل هل كان لي ذَنبٌ إليهِم ... هُمُ مِنهُ، فأَعتِبُهُم، غِضابُ
كَتَبتُ إليهمُ كُتُبًا مِرارًا ... فَلم يَرجِع إليَّ لها جَوابُ
فما أَدرِي أَغَيَّرَهُم تَناءٍ ... وطُولُ العَهدِ، أم مالٌ أَصابُوا
فمَن يكُ لا يَدُومُ له وَفاءٌ ... وفِيه حينَ يَغتَرِبُ انقِلابُ
فعَهدِي دائِمٌ لَهُمُ ووُدِّي ... على حالٍ إذا شَهِدُوا وغابُوا
وإنما قال:"أم مال أصابوا"لأن الغنى في أكثر الناس يُغيِّر الإخوان على إخوانهم. فمن ذلك ما رُوي أنَّ أبا الهَول الشاعر كان له صديق ضَرَبَ في البلاد فأيسَر، فاحتاج أبو الهول إليه فلم يجده بحيث يحبُّ، فكتب إليه:
لَئِن كَانَتِ الدُّنيَا أَنَالَتكَ ثَروَةً ... وَأصبحتَ فِيهَا بَعدَ عُسرٍ أَخَا يُسرِ
لَقَد كَشَفَ الإِثرَاءُ مِنكَ خَلائِقًا ... مِنَ اللُّؤمِ كَانَت تَحتَ ثَوبٍ مِنَ الفَقرِ
[أمالي ابن الشجري: 1/ 10]
ومن جيّد الشعر في العتاب أبيات أنس بن زُنَيم الهذلي، وقد وفد علي عمر بن عبيد الله بن مَعمَر التَّيميّ، في جماعةٍ من الشعراء، فصدَّه الحاجبُ عن الدخول لِخُمَاشةٍ كانت بينهما، وأذِنَ لغيره، فلمَّا طال حِجابُه كتب إليه:
لَقَد كُنتُ أَسعى في هَواكَ وَأَبتَغي ... رِضاكَ وَأَرجو مِنكَ ما لَستُ لاقِيا
حِفاظًا وَإمساكًا لِما كانَ بَينَنا ... لِتََجزيَني يومًا فما كنتَ جازِيا
أُراني إذا ما شِمتُ مِنكَ سَحابَةً ... لِتُمطِرَنِي عادَت عَجاجًا وَسافِيا
إِذا قُلتُ نَالتني سَماؤُكَ يا مَنَت ... شَآبيبُها أو أثجَمَت عَن شِمالِيا
وَأَدلَيتُ دَلوِي في دِلاءٍ كَثيرَةٍ ... فَأُبنَ مِلاءً غَيرَ دَلوِي كَما هِيا
[أمالي ابن الشجري: 1/ 11]
أَأُقصى ويدنى مِن يُقَصِّرُ رَأيَهُ ... وَمَن لَيسَ يُغني عَنكَ مِثلَ غَنائِيا
فلما قرأ الأبيات عنَّف حاجبَه، وأذِن له وقال: وَيحك ما الذي دَهاك؟ قال: فِعلُ حاجبك وطولُ مُقامي ببابك، وأنت تُعطى من أقبل وأدبر، ولا تلتفتُ إليّ، فقال له: يا هذا أشهدتَ معي مُودَّأةَ هَجَر؟ قال: لا، قال: فهل كنت معي يومَ الخوارج بدُولاب الأهواز؟ قال: لا، قال: فهل لك عليّ مِن يدٍ تستحقُّ بها ما طلبتَ؟ قال: نعم كنت أجلس بين يديك فأسمعُ حديثَك فأنشُرُ محاسنه وأطوِي مساوِيَه، قال؟ إنَّ في هذا لَما يُشكَر، كم أقمتَ بالباب؟ قال: أربعين يوما، فأمر له بأربعين ألفًا.