الصفحة 9 من 43

والباسِلُ: الشجاعُ، البَطَلُ، يُقالُ: بَسُلَ بضَمِّ السينِ، فهو باسِلٌ، والطرائدُ جَمْعُ طَريدةٍ، وهي ما طَرَدْتَ مِن صَيْدٍ وغيرِه، والمرادُ بالطرائدِ هنا الفُرسانُ التي تَطْرُدُ، يُريدُ أنه إذا عَرَضَ مَن يَطْرُدُ، كان مِنَّا أو مِن غيرِنا، كُنتُ أشَدَّ بَسالةً مِنهم.

وأمَّا قولُه: وكلٌّ. فالمرادُ به كلُّ واحدٍ مِن هؤلاءِ الذين ذَكَرْتُ على الانفرادِ والاجتماعِ، وهي مُفْرَدَةُ اللفْظِ مجموعةٌ في المعنى, ولهذا يُرَدُّ الراجِعُ تَارةً إلى لفْظِها، كقولِه تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} وتارةً إلى معناها، كقولِه تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} والإضافةُ مُقَدَّرَةٌ، أيْ كلُّ واحدٍ، فحَذَفَ المضافَ إليه مُريدًا له، وبَقِيَ حكْمُ الإضافةِ، وهو تَعريفُ كُلٍّ، يُؤَيِّدُ ذلك قولُهم: جاءَنِي القومُ كلٌّ راكبًا, ورأيتُ كُلاًّ مُصَلِّيًا، فنَصَبَ الحالَ عن كلٍّ في الحالَيْنِ جَميعًا، وقد ذَهَبَ أكثَرُ الناسِ إلى امتناعِ دُخولِ الألِفِ واللامِ على كلٍّ؛ لأنَّ الإضافةَ مُقَدَّرَةٌ فيه حكْمًا، كما قَدَّمْنَا ذِكْرَه وأَمَّا رفْعُه؛ فلأنه مُبتدأٌ، وخَبَرُه أَبِيٌّ.

ولفْظُ (كُلٌّّ) نَكِرَةٌ، غيرَ أنَّ ما فيه مِن معنى العمومِ، جَبَرَه، فكانَ مُبتدأً، ولَفْظُ"أَبِيٌّ"مُفرَدٌ، موافَقَةً للفْظِ كلٍّ، وقد تَقدَّمَتْ أمْثِلَتُه، وباسِلٌ خَبَرٌ ثانٍ، وهو أَجْوَدُ مِن جَعْلِه صِفةً للخبرِ، و"غير"مَنصوبةٌ على الاستثناءِ، والاستثناءُ منقَطِعٌ، أي: لكنْ أنا أَبْسَلُ منهم. وإذا مَوْضِعُها نصْبٌ بأَبْسَلَ، أيْ: أنا أَشْجَعُ منهم وقتَ عُروضِ الطرائدِ، وعَرَضَتْ مَوْضِعُها جَرٌّ بإذا، وأُولَى مُؤَنَّثَةٌ مِثلُ الأُخْرَى، ومُذَكَّرُهُما أوَّلُ وآخِرُ.

وإنْ مُدَّتِ الأَيْدِي إلى الزادِ لم أَكُنْ بأَعْجَلِهِم إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ

الْجَشَعُ أشَدُّ الْحِرْصِ، والماضِي جَشِعَ بكسْرِ الشينِ، ويَجْشِعُ كذلك، ورَجُلٌ جَشِعٌ وقومٌ جَشِعونَ, وهذا مِن جِنْسِ قولِ حاتمٍ:

أَكُفُّ يَدِي مِن أنْ تَنالَ أَكُفَّهُمْ إذا نحن أَهْوَيْنَا وحاجَاتُنا مَعَا

إنْ حَرْفُ شَرْطٍ، وهي أُمُّ أَدواتِ الشرْطِ؛ لأنها حرْفٌ وغيرُها مِن أدواتِه اسمٌ، والأصْلُ في إفادةِ المعاني الحروفُ، كهمزةِ الاستفهامِ والنفْيِ والاستثناءِ وغيرِ ذلك.

وحرْفُ الشرْطِ إذا دَخَلَ على"لم"أَقَرَّ معنى الاستقبالِ؛ لأن الشرْطَ لا معنى له إلاَّ في المستقبَلِ، و"لم"إذا دَخَلَتْ على الفعْلِ المستقْبَلِ رَدَّتْ مَعناهُ إلى الْمُضِيِّ، كقولِك: لم أَقُمْ، والماضي هنا لا مَعْنَى له في جوابِ الشرْطِ، فتَقَرَّرَ أنَّ"لم"لها مَعنيانِ: النفيُ ورَدُّ المضارِعِ إلى الماضِي، وَرَدُّ المضارِعِ هنا إلى الماضي مُمْتَنِعٌ؛ لوجودِ"إن"الشرطيَّةِ، فأَبْطَلَتْ أَحَدَ مَعْنَيَيْ"لم"وهو رَدُّ المضارِعِ إلى الْمُضِيِّ، وبَقِيَ المعنى الآخَرُ وهو النَّفْيُ.

ويَدُلُّكَ على هذا، أنَّ لم إذا وَلِيَتْ حرْفَ الشرْطِ قَرَّرَتْ معنى الاستقبالِ، فكذلك في جوابِ الشرْطِ، لِمَا بينَ الشرْطِ وجوابِه مِن التعلُّقِ، وأيضًا"لم"هنا بمعنى لا, و"لا"تَقَعُ في جَوابِ الشرْطِ، ومعنى الاستقبالِ باقٍ, وأيضًا فإنَّ الشرْطَ والجوابَ هنا لحكايةِ الحالِ، ولا يُرادُ به الاستقبالُ في المعنى. فلذلك وَقَعَتْ"لم"في جَوابِ الشرْطِ، وإنما عَمِلَتْ"إن"الشرطيَّةُ؛ لأنها اقتَضَتْ فِعلينِ، كلُّ فعْلٍ يَلزَمُ فاعلَه، فصارَ الكلامُ جُملتينِ، ولا يَتِمُّ بدونِهما، فإنْ الشرطيَّةُ لفَّتِ الجملتينِ فصَيَّرَتْهُما كالجملةِ الواحدةِ.

وذا طُولٌ يُناسبُه التخفيفُ والحذْفُ، ولا تَخفيفَ أقَلُّ مِن حذْفِ الحركةِ؛ لأنه سكونٌ فلهذا كان عمَلُها الْجَزْمَ، والأصْلُ في أَكُنْ أكونُ، فالمحذوفُ بـ"لم"حركةُ النونِ فلما سُكِّنَتْ، وكانت الواوُ ساكنةً حُذِفَتِ الواوُ لالتقاءِ الساكنينِ، وكانَتْ أَوْلَى بالحذْفِ، لكونِها مِن حُروفِ العلَّةِ، والباءُ في بأَعْجَلِهِم للتوكيدِ زائدةٌ، غيرُ متَعَلِّقَةٍ بشيءٍ، وهو نَظيرُ اللامِ في خَبَرِ إنَّ، وإنما زِيدَتِ الباءُ دونَ غيرِها لأنها للإلصاقِ، ومُلاصَقَةُ الشيءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت