الصفحة 8 من 43

ونَظائرُه كثيرةٌ، وجَوَّزَ ذلك الأمْنُ مِن اللَّبْسِ؛ لأنَّ المانعَ مِن انتصابِ الحالِ عن النَّكِرَةِ اشتباهُ الصفةِ بالحالِ، ألاَ تَرَى أنك إذا قُلتَ: رأيتُ رَجُلًا كريمًا، جازَ في"كَرِيمًا"الصفةُ والحالُ، وهما غَيْرَانِ، والعامِلُ في الحالِ في مِثلِ هذا الاستقرارُ أو الظرْفُ نفْسُه، وصاحبُ الحالِ ضميرُه.

والقولُ الثاني في"دونَكم"، إذا قيلَ: إنه صِفَةٌ. فتَحَهُ فَتْحَةُ إعرابِ الصفةِ، وإذا قيلَ: إنه ظرْفٌ. فتَحَه إعرابُ الظرْفِ، ومَذهَبُ الأخْفَشِ، أَهلونَ مَرفوعٌ بالجارِّ الذي هو ارتفاعُ الفاعلِ، بفعْلِه وسِيدٌ وما بعدَه مِن الأسماءِ المعطوفةِ عليه، يَجوزُ أنْ يكونَ بَدَلًا مِن أَهلونَ، وأنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منها خبرَ مُبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ أحَدُها سِيدٌ، وكذلك باقِيهَا، وجَيألُ اسمُ عَلَمٍ مؤَنَّثٍ، لا يَنصَرِفُ لذلك.

هُمُ الأهْلُ لا مُسْتَوْدَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ لدَيْهِم ولا الْجَانِي بما جَرَّ يُخْذَلُ

يُقالُ ذاعَ الكلامُ، أيْ انْتَشَرَ، ذَيْعًا وذُيُوعًا، وجَرَّ عليهم جَريرةً، أيْ جَنَى جِنايةً طُلِبَ بها، والمخذولُ الذي لا يُعانُ ولا يُنْصَرُ.

هم ضَميرٌ مرفوعٌ مُنْفَصِلٌ، والأصْلُ هُمُو بواوٍ بعدَ الميمِ؛ لأنَّ علامَةَ الجمْعِ مقابِلَةٌ لعَلامَةِ التثنيةِ، وقد تَقَرَّرَ أنَّ الألِفَ زِيدَتْ بعدَ الميمِ للتثنيةِ، فتَزدادُ الواوُ للجمْعِ؛ ولأنَّ علامةَ جَمْعِ المؤنَّثِ ـ نحوَ أَنْتُنَّ ـ حَرفانِ، ففي الْمُذَكَّرِ كذلك الميمُ والواوُ، وإنما حُذِفَتِ الواوُ، لتوالِي الضَّمَّاتِ وثِقَلِ الواوِ، وقد أُمِنَ اللَّبْسُ، فإنَّ الواحِدَ لا مِيمَ فيه، والتثنيةُ فيها الألِفُ, فلَمْ يَبْقَ غيرُ الْجَمْعِ، وهذا الضميرُ مُبتدأٌ، والرافِعُ له عندَ الْمُحَقِّقِينَ الابتداءُ، وهو كونُه أوَّلًا مُقْتَضِيًا ثانيًا، والأهْلُ خَبَرُه. وأمَّا لا فغيرُ عامِلةٍ هنا؛ لأنَّ عمَلَها ضَعيفٌ، إذ هي غيرُ متَمَكِّنَةٍ في بابِ العواملِ؛ لأنها فرْعُ إنَّ، وإنَّ فَرْعٌ، فـ"لا"فرْعُ فرْعٍ. فأمَّا معناها في النفيِ فباقٍ، ومعنى الحرْفِ ليس بلازِمٍ، لعَمَلِه، ليَرْتَفِعَ أحدُهما بارتفاعِ الآخَرِ، ويَجِبَ بوُجوبِه، والمعرِفَةُ ليس مِن بابِه العمَلُ فيها، ولا هي مِن مَعمولاتِه، ومُسْتَوْدَعُ مَعرِفَةٌ، فلا يَعمَلُ لا فيه، وإضافةُ السرِّ إليه بمعنى مِن، أيْ لا الْمُسْتَوْدَعَ مِن السرِّ. والإضافةُ هنا مَحْضَةٌ، ومستوْدَعُ مُبتدأٌ وخَبَرُه ذائعٌ، ومَوْضِعُ هذه الجملةِ نَصْبٌ على الحالِ، تَقديرُه حافظينَ، والعامِلُ في الحالِ معنى الجملةِ؛ لأنَّ قولَه هم الأَهْلُ، معناه هم المستأْنَسُ بهم، القائمونَ مَقامَ الأهلِ. ومِثْلُ هذا يَعملُ في الحالِ، ونَظيرُه ما شَأْنُكَ دَاعيًا ومُتَضَرِّعًا، وقولُهم: يا جَارَتَا ما أنتِ جَارَةً، أيْ عَظُمْتِ جَارَةً.

ولَدَيْهم بمعنى عندَ، وهي ظرْفُ لذائع، أيْ ليس مُنْتَشِرًا بينَهم، ويَمْتَنِعُ جَعْلُه ظَرْفًا لِمُسْتَوْدَع؛ لأنه يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بينَ العامِلِ والمعمولِ بخَبَرِ العامِلِ؛ ولأنَّ المستودَعَ هو السرُّ على ما مَضَى، وليس المقصودُ نَفْيَ السرِّ عنهم، وإنما نَفْيُ انتشارِه.

والجانِي مُبتدأٌ، ويُخْذَلُ خبرُه. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بـ"يُخْذَلُ", وما مَصدريَّةٌ، والتقديرُ ولا الجانِي مَخذولٌ بجَريرتِه، ويَجوزُ أنْ تَكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أيْ بما جَرَّهُ، ويَجوزُ أنْ تكونَ نَكِرَةً مَوصوفةً، وهي مُساوِقَةٌ لـ"الذي"في كونِها في سِياقِ النفيِ، فتَعُمُّ, وهي أَقْعَدُ في المعنى مِن الوَجهينِ الآخَرَيْنِ.

ثم قالَ:

وكُلٌّ أَبِيٌّ باسِلٌ غيرَ أَنَّنِي إذا عَرَضَتْ أُولَى الطَّرَائِدِ أَبْسَلُ

الأَبِيُّ الممتَنِعُ، يُقالُ: أَبِيٌّ، وأَبيانُ، وهو الذي يَمتنِعُ مِن الضَّيْمِ فلا يُقِرُّه، قالَ الشاعِرُ:

وقَبْلَكَ ما هابَ الرجالُ ظُلاَمَتِي وفَقَّأْتُ عَيْنَ الأَشْوَسِ الأَبيانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت