حرمة المعاملة بل دل على المخرج الشرعي لها. قال الخصاف:"فقد أمره رسول الله أن يشتري التمر بالدراهم ونهاه أن يكون التمر وأحدهما أكثر من صاحبه، ليخرج بذلك فيما لا يحل إلى ما يحل، فافهموا ما أراد بذلك الخروج من الإثم إلى الحق" [1] . وفي تصريحه بفعل"خرج"ومصدره، إيماءٌ إلى المخارج.
ثانيًا: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار: أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أضني، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذوا له مئة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة [2] .
وهذا مخرجٌ تحقق فيه الإبقاء على إقامة الحد وعدم تعطيله، مع مراعاة حال المحدود وتفادي إهلاكه.
ثالثًا: عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو جاره، فقال:"اذهب، فاصبر"فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال:"اذهب فاطرح متاعك في الطريق"، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه، فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به وفعل، فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع، لا ترى مني شيئًا تكرهه [3] "."
وهذا مخرجٌ جليلٌ أهداه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الصحابي ليخلصه من أذى جاره.
ونستنتج مما سبق ما يلي:
(1) كتاب الخصاف في الحيل، مرجع سابق، ص 4.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، أول كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض، 6/ 520. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الرحم، ذكر الاختلاف على يعقوب بن عبد الله بن الأشج فيه، 6/ 473. وأخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد، 3/ 605. وأخرجه أحمد في مسنده، 36/ 263.
صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، 6/ 1215.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب النوم، باب في حق الجوار، مرجع سابق، 7/ 462 - 463. وأيضًا: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان، 2/ 278.
قال الألباني:"حسن صحيح"، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 2/ 24.