فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 40

والمخارج الفقهية من الناحية التاريخية هي أول الحيل ظهورًا، فالأصل أنها بدأت كمخارجٍ من المآزق أو عند الضرورة؛ لذا كان الفقهاء متفقين على الإفتاء بها [1] ، قال الشعبي:"وإنما الحيل شيءٌ يتخلص به الرجل من المآثم الحرام ويخرج به إلى الحلال" [2] . فمن أفضل الأشياء معرفة ما يخلصنا من الآثام، والمخرج من الحرج بأيسر شيءٍ أصلٌ يقاس عليه [3] . يقول الإمام الشاطبي:"فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحةً شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلةٍ في النهي ولا هي باطلةٌ" [4] .

والتعبير بلفظ المخارج أولى من الحيل لأن أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع الحيلة هو التحايل على أحكام الشرع، فلذلك نعبر بوجوه المخارج من المضائق، ولا نسميها بالحيل التي ينفر الناس من اسمها [5] .

الفرع الثاني: بعض الأدلة على مشروعية المخارج الشرعية. سأذكر بعض الأدلة دون الدخول في تعليقات العلماء عليها، لأننا نجد أن الدليل الواحد يستدل به مجيزو الحيل ومانعوها، كلٌّ يراه من وجهة نظره، لكن إذا ما رجعنا إلى العنصر السابق تتقارب وجهات النظر، عندما يقصد المجيزون بالحيل: المشروعةَ منها، ويقصد المانعون بالحيل: ما امْتُطِي للتلاعب بالدين. ولذلك فالزاوية التي أنظر منها من خلال طرحي لهذه الأدلة، هي زاوية المخارج أو الحيل المشروعة. وفيما يلي نماذج من النصوص المبينة لمشروعية المخارج، أستهلها بالآيات التالية:

أولًا: قوله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [6] ، أي: يجعل له مخرجًا من الحرام إلى الحلال [7] ، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده [8] .

ثانيًا: قوله جل وعلا: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [9] ، قال ابن القيم:"فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين، فنقيس عليه سائر الباب، ونسميه وجوه المخارج من المضائق، ولا نسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها" [10] .

ثالثًا: قوله سبحانه: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [11] ، قال القرطبي:"وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعةً" [12] .

رابعًا: قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [13] .ووجه الدلالة: أنه سبحانه وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم، إذ لم يستطيعوا حيلةً يتخلصون بها من المقام بين أظهر الكفار، وهو حرامٌ [14] .

وأما الأدلة من السنة النبوية فمنها:

أولًا: عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب [15] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أكل تمر خيبر هكذا؟"، قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تفعل، بع الجمع [16] بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [17] ؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف ببيان

(1) الحيل الفقهية في المعاملات مفهومها وأحكامها في بعض القضايا المعاصرة، مرجع سابق، ص 72.

(2) كتاب الخصاف في الحيل، للخصاف، ص 4.

(3) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم، 1/ 379 - 380.

(4) الموافقات، مرجع سابق، 3/ 124.

(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 3/ 149.

(6) سورة الطلاق، جزء من الآية:2.

(7) أنظر: زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، 4/ 298.وأيضًا: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، 5/ 184.

(8) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، مرجع سابق، 1/ 298.

(9) سورة"ص"، الآية: 44.

(10) إعلام الموقعين عن رب العالمين، مرجع سابق، 3/ 149.

(11) سورة يوسف، جزء من الآية: 76.

(12) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 9/ 236.

(13) سورة النساء، الآية: 77 - 99.

(14) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، مرجع سابق،1/ 379.

(15) نوع من التمر من أعلاه. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، 11/ 21.

(16) تمر رديء وقد فسره في رواية أخرى بأنه الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفةٍ، المرجع نفسه.

(17) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، 3/ 77. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، 3/ 1215. واللفظ للبخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت