فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 40

وأما الحيلة الفقهية فقد عرفها محمد بن إبراهيم بأنها تعني جودة الفهم، ودقة التصرف واستعمال الذكاء في استنتاج الأحكام، ومطابقتها لغرض الشارع ومقصده من التشريع، وتعني -أحيانا- البعد عن قصده، بل ومناقضته، وتعني اختيار رأيٍ أو دليلٍ لاستنباط حكمٍ معينٍ عند تعارض الأدلة [1] . فالحيل الشرعية هي التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينيةٍ [2] ، وهي بهذا مرادفةٌ للمخرج الشرعي، وأما الحيل المحرمة فهي استعمال وسائل مشروعةٍ ظاهرًا، بقصد تحصيل أمرٍ مخفيٍّ باطنًا؛ ولذلك قال الشاطبي:"لا يمكن إقامة دليلٍ في الشريعة على إبطال كل حيلةٍ، كما أنه لا يقوم دليلٌ على تصحيح كل حيلةٍ؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادًا لقصد الشارع خاصةً" [3] . والحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسنٌ، وإنما يكره أن يُحتال في إبطال حقٍّ أو إحقاق باطلٍ [4] .

وعليه، فمن أطلق القول بتحريم الحِيَل فهو يقصد تلك التي تفضي إلى محرمٍ، ومن أطلق القول بجوازها، فيُحمَل كلامه على المخارج التي تفضي إلى مصلحةٍ شرعيةٍ.

وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية -بتصرف-:"ليس كل حيلةٍ في الشرع مذمومة، بل فيها حيلٌ محمودةٌ ... فإن الله سبحانه قال في تنزيله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [5] ... وللناس في التلطف وحسن التحيُّل على حصول ما فيه رضى الله ورسوله، أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعيٌ مشكورٌ ... فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حيلةً حسنةً، وإن كان قبيحًا كانت قبيحةً. ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله لأدنى الحيل" [6] صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحل بها المحارم كحيل اليهود" [7] .

(1) الحيل الفقهية في المعاملات المالية، محمد بن إبراهيم، ص 27.

(2) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، 2/ 492.

(3) الموافقات، للشاطبي، 3/ 33.

(4) المبسوط، للسرخسي، 30/ 209 - 210.

(5) سورة النساء، الآية: 98.

(6) أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل، مرجع سابق، ص 46. وقال ابن تيمية: إسناد حسن، مجموع الفتاوى، 29/ 29. وتبعه ابن القيم مؤكدا على أن إسناده مما يصححه الترمذي، عون المعبود وحاشية ابن القيم، 9/ 244.

وقال الألباني:"وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال"التهذيب"غير أبي الحسن أحمد بن محمد بن مسلم ... وأما الحافظ بن كثير , فقد أورد الحديث في تفسيره من طريق ابن بطة , وقال:"وهذا إسناد جيد , فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب فى"تاريخه"ووثقه , وباقى رجاله مشهورون ثقات , ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرا"تفسير ابن كثير، 1/ 109 و 2/ 267. قلت: ولكنى لم أجد ترجمة ابن مسلم في هذا"تاريخ الخطيب", فالله أعلم". إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، 5/ 375.

(7) بيان الدليل على بطلان التحليل، لابن تيمية، ص: 157 - 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت