الفرع الأول: شروط استثمار السنة في المخرج المالي الشرعي.
ليس المقصود بجواز العمل بالمخارج أو بالدعوة إليها للحاجة الماسة، أن يُترك الأمر على عواهنه، وأن يَقْتحم هذا الحقلَ كلُّ من هبّ ودبّ؛ بل لا بد من التزام شروطٍ، ومراعاة مؤهلاتٍ، فيمن يتصدى لهذا المضمار، حتى لا يُفتح باب الحيل المحرمة باسم المخارج: فيتم تسويغ المعاملات غير الشرعية الغريبة عن شريعة الإسلام بمحاولة إلباسها اللباس الإسلامي [1] . وفيما يلي بعض الشروط التي ينبغي أن تتوفر في عملية إيجاد المخرج الشرعي الملائم انطلاقًا من الحديث النبوي:
أولًا: الالتزام بتقوى الله جل وعلا في التعامل مع الحديث النبوي، وإعطائه الهيبة التي يستحقها، فلا يجوز الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو حمل الحديث على وجهٍ يعارض مقصود الشارع، لكيلا تستعمل السنة في غير موضعها، أو تكون ذريعةً إلى العقود الصورية. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" [2] ، فلا يجوز الارتكاز على الحديث كحيلةٍ لمفارقة صاحبه خشية أن يتراجع عن العقد.
ثانيًا: التحقق من صحة الحديث ومن جواز الاحتجاج به، فلا يجوز استخراج مخرجٍ فقهيٍّ من حديثٍ ضعيفٍ لا ينتهض إلى درجة الاعتضاد ولا تقوم به الحجة، لأن ما بُني على باطلٍ فهو باطلٌ. ولأجل ذلك، يتحتم على المجتهد أن يرجع إلى كتب التخريج والحكم على الأحاديث ليتحقق من درجة الحديث الذي يود الاستناد عليه، وهذا له علاقةٌ بعلم الرواية. كما يتحتم عليه الفهم الجيد للحديث، وهذا له علاقةٌ بعلم الدراية؛ فقد يكون الحديث
(1) المصالح الإنسانية والأحكام الشرعية: فوائد المصارف نموذجا، بحث لعبد العظيم أبي زيد.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، مرجع سابق، أول كتاب البيوع، باب خيار المتبايعين، 5/ 325. وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، 3/ 542. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب البيوع/ وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، 7/ 251. وأخرجه أحمد في مسنده، مرجع سابق، 6/ 266.
وقد حسنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، مرجع سابق، 5/ 155. وفي صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/ 559.