للضوابط الشرعية، ومن جهةٍ أخرى، فهي أسهل من حيث توفره على مخارج شرعيةٍ كامنةٍ في طيات النصوص الشرعية.
الفرع الثاني: علاقة الهندسة المالية الإسلامية بالسنة النبوية.
بدأت الهندسة المالية الإسلامية -في الواقع- منذ فجر الإسلام، ويتجلى ذلك في نصوصٍ منها ما يروي لنا القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [1] ، فكأنما أشار به تمهيدًا لشرع ادخار الأقوات للتموين، حيث أشار إلى إبقاء ما فضل في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس، وأمرهم بتدبير أكلهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة [2] .
وكذلك حديث أبي سعيد الخدري الآنف الذكر حول تمر خيبر [3] ، فهو مثالٌ صريحٌ للهندسة المالية الإسلامية. وهذه النصوص ومثيلاتها تعتبر لَبِناتٍ وضعت في عهده - صلى الله عليه وسلم - لبناء صرح الهندسة المالية الإسلامية.
إن التعليمات التي أتت بها السنة النبوية هي التي مكنت الاقتصاد الإسلامي من الاستقرار لما عصفت الأزمة المالية بالاقتصاد التقليدي، والمتأمل في روايات الأحاديث الصحيحة يقتنع أشد الاقتناع بغناها بالعقود المتنوعة التي تَنُم عن إبداع الشخصية النبوية في الحقل المالي. ومن يفتش في كنوز السنة مستنيرًا بالمفاهيم العلمية والفنية الحديثة للمالية الإسلامية، يجد الجواب الشافي لا محالة، وربما يكتشف صيغًا تكون بديلًا شرعيًا للمعاملات المحظورة.
لكن الملاحظ أن الشريعة الإسلامية لم تأت بتفصيل هذه الحلول، وإنما جاءت بتفصيل ما لا يحل من المعاملات المالية، وهذا يتفق مع القول بأن الأصل في المعاملات الحل، إلا ما عارض نصًا. وعليه فباستقراء الأحاديث النبوية نجد أنها لم تحجر دائرة الابتكار، وإنما على
(1) سورة يوسف، الآيات: 45- 49.
(2) أنظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور، 12/ 287. وكذلك: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص 400.
(3) سبق تخريجه.