فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 40

إن سدّ الذرائع يقتضي منع الحيل إلى إتيان المحظورات أو إبطال شيءٍ من المطلوبات الشرعية، غير أن الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية [1] ، وهو ما يفسره ابن تيمية بقوله:"وما كان منهيًا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدةٌ في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحةٌ راجحةٌ ولا تفوت المصلحة لغير مفسدةٍ راجحةٍ ... ولهذا يفرق في العقود بين الحيل وسد الذرائع: فالمحتال يقصد المحرم فهذا ينهى عنه. وأما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم لكن إذا لم يحتج إليها نهي عنها وأما مع الحاجة فلا" [2] .

فإذا وجد المفتي مخرجًا شرعيًا في السنة النبوية، فإما أن يعمل به المستفتي وإما أن يرده بدعوى التحايل أو سد الذريعة، وفي هذه الحال، فهو مخيرٌ بين أن ينتقل إلى المعاملة المحرمة الصرفة وبين أن يتوقف ويصيبه حرجٌ ومشقةٌ، وكلا الحلين ظاهر البطلان، لأن إيجاد المخرج الشرعي المخلص من الإثم في المعاملات المالية ضرورةٌ واقعيةٌ، ومن ذلك المعاملات المصرفية التي أصبحت من حاجات المجتمع اليوم، والتي تنادي بالمخارج الشرعية باستمرارٍ لِتَعَقُّد منتوجاتها وللمنافسة الشرسة التي تلقاها من المصارف التقليدية. فينبغي البحث عن مخارج للحاجات الملحة كالحصول على المسكن والعلاج والتعليم، لكيلا يرتمي الناس في المنتجات المحرمة للمصارف التقليدية، كما يجب معاودة النظر في المعاملات المصرفية التي أساسها الإباحة ولكن سوء التطبيق حوّلها إلى منتجٍ مخالفٍ، مثل التورق المنظم.

إن البحث في السنة لإيجاد البديل المباح للمعاملة المحظورة، لذو أهميةٍ قصوى في العقود المالية، لأنه يحسس المستفتي بالأمان ويلقحه ضد الوقوع في الربا [3] ، ولذلك قال ابن القيم:"من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيءٍ فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوضٌ له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالمٍ ناصحٍ مشفقٍ يريد أن يتاجر مع الله بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ... وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح" [4] .

(1) قرار رقم: 92 (9/ 9) بشأن سد الذرائع، مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

(2) مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 23/ 214 - 215.

(3) للمزيد راجع: التحديات المستقبلية للمصرفية الإسلامية-رؤية مقاصدية-، لمسفر بن علي القحطاني.

(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين، مرجع سابق، 4/ 121 - 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت