فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 40

ومن ثَمَّ، فالمخارج الشرعية ضروريةٌ في المعاملات المالية لمواءمة الظروف المعيشة وتخريجها على الظروف التي نزلت فيها السنة النبوية؛ لأن تلك النصوص ليست قاصرةً على العهد النبوي، وإنما هي حلولٌ وأصولٌ إلى يوم القيامة، وتحضرني هنا القاعدة التي تقول:"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" [1] . وإذا علمنا أن كثرة الوقائع المالية نتج عنه ارتفاعٌ في الطلب على الفتاوى، وأن الإفتاء يتطلب استنفار الاجتهاد في النصوص، فإن الأحاديث النبوية تخول ذلك وتوفره أكثر من باقي الأدلة، نظرًا لوفرتها ولكثرة الروايات الصحيحة التي تتمتع بها.

ولا يسوغ أن نقول إن الغوص في الأحاديث لاستخراج المخارج نوعٌ من التحايل أو يجب منعه سدًا للذرائع وإن لم تتيقن مفسدته، لأن الذرائع يجب سدها إذا أفضت إلى مفسدةٍ راجحةٍ، وكذلك ينبغي فتحها إذا أفضت إلى مصلحةٍ راجحةٍ [2] ، والحقيقة أننا إذا قلنا:"إن الأصل في العادات والمعاملات الحل، فلا نحتاج إلى القول بفتح الذرائع"، وإنما يقال:"فتح الذرائع بعد سدها"؛ لأن ما حرم سدًا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، إلا إذا كان المراد حماية أصل المشروعية عن المنع بسبب الاحتمال النادر أو القليل للإفضاء إلى المحرم؛ لكن الاحتمالات النادرة والقليلة وما في حكمها لا تكفي للانتقال عن الأصل المتيقن وهو المشروعية، ولأن المنع قد يفضي إلى زيادة المفسدة وليس إلى تقليلها، فالمنع من زراعة العنب خشية استخدامه في الخمر منعٌ للشراب المشروع النافع الذي يغني عن المحرم" [3] . قال أحمد الريسوني:"يبدو لي أنَّ إخواننا الفقهاء المفتين يخيم عليهم شبح الربا، فحيثما لاح لهم أو شُبِّه لهم، بادروا إلى الذرائع يسدونها وإلى الاحتياطات يكثرونها. وهذا يذكّرني بقول عمر رضي الله عنه:"لقد خفت أن يكون قد زدنا في الربا عشرة أضعافه مخافته" [4] ، بمعنى أنّ المحرمات الاحتياطية الذرائعية -خوفًا من شبح الربا- هي التي أصبحت أو ستصبح أضعافًا مضاعفة عما حرَّمه الله تعالى" [5] ."

(1) قال عبد الله الجديع:"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، خصوصًا عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب". تحرير علوم الحديث، 2/ 706.

(2) سد الذرائع، للبرهاني، ص 71 - 69.

(3) قواعد الذرائع في المعاملات المالية، لسامي بن إبراهيم السويلم.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، 4/ 449. ووقفت عليه في مواطن أخر بلفظ:"تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا". لكني لم أقف - في حد بحثي- على حكم الروايتين.

(5) اعتبار المقاصد في الفتاوى المالية، لأحمد الريسوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت