الأحكام واستنباطها، وفقهُ الحديث هو ثمرة الأحاديث النبوية، ولذلك قال علي بن المديني:"التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" [1] . ومن ثم لم يكن لِلْمُتَشَرِّعِينَ من علماء الإسلام مندوحةٌ من الاعتماد على السُنَّةِ، واللجوء إليها والعناية بها والاسترشاد بأحكامها المنصوصة على أحكام الحوادث الطارئة [2] لئلا يلزم خلو الوقائع عن الأحكام [3] ؛ لأن النصوص محصورةٌ والوقائع والمستجدات غير متناهية [4] ، قال الزركشي:"النصوص محصورةٌ، والأحكام الثابتة بها محدودةٌ، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة؛ لأنها محصورةٌ متناهيةٌ، والوقائع المستجدة غير متناهيةٍ، والقياس لا يصح إلا بوجود أصلٍ يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطلٌ" [5] .
إنّ للسنة النبوية أثرًا كبيرًا في تطوير الإدارة المالية؛ وذلك بتطبيق القواعد الشرعية على العقد، واستثناء ما جاء مخالفًا للشريعة، سعيًا وراء إيجاد بديلٍ شرعيٍّ بعيدًا عن الحيل البغيضة. وعليه، فإن لِهيئة الرقابة الشرعية بناءً على فتوى، أن توقف أيّ عمليةٍ للمصرف، كما لها إمكانية إسعافه بمنتوجٍ تمويليٍّ أو استثماريٍّ يَحل له المشاكل.
المطلب الثالث: السنة النبوية من مظان المخارج الشرعية المالية.
مضى على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مئات السنين تطورت فيها النظم المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما انعكس على السياسات المالية العامة للدول؛ لكن المالية العامة للعهد النبوي تحتوي هذا التطور، لأن ما أنزله الله من الأحكام المالية مجملًا في القرآن بينته وفصلته السنة. وتحمل المالية العامة الإسلامية في ثناياها عوامل التطور والمرونة التي تجعلها تتلاءم مع كل زمانٍ ومكانٍ، وبذلك فهي صالحةٌ لمقابلة التطورات المستمرة في السياسات المالية للدول بشرط أن لا يخل التطوير بالمبادئ الإسلامية [6] .
(1) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي، ص 320.
(2) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مرجع سابق، مقدمة/9.
(3) التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام، لابن أمير حاج، 3/ 241.وأيضًا: تيسير التحرير، لأمير بادشاه، 4/ 105.
(4) شرح مختصر التحرير للفتوحي، لأحمد الحازمي، الدرس 69.
(5) تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي، 3/ 43.
(6) السياسة المالية للرسول، قطب إبراهيم محمد، ص 266 - 267.