الفرع الثاني: مواكبة السنة النبوية للنوازل.
إنّ الحكم عن المستجدات بحاجةٍ ماسةٍ إلى السنة النبوية، وقد يقول قائلٌ:"كيف يمكن لأحاديث نبويةٍ جاءت في سياقٍ تاريخيٍّ معينٍ أن تُستثمر في نازلةٍ من نوازل اليوم، فضلًا عن أن تُمِدَّنا بمخرجٍ شرعيٍّ؟". والجواب أن يقال: إن الحكم الشرعي المُضَمَّن في سنةٍ نبويةٍ معينةٍ تحقيقًا لمصلحةٍ معينةٍ، ثابتٌ ودائمٌ لا يتغير ولا يتبدل، لأن المصلحة التي شُرع لتحقيقها لا تتغير ولا تتبدل، لكن تطبيقه على الوقائع قد يتغير من مجتهدٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى بلدٍ، ومن زمنٍ إلى زمنٍ، مع وحدة الحكم الشرعي وثباته [1] .
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب عن الأسئلة ويحل المشاكل من جهةٍ، ويكون ذلك تشريعًا من جهةٍ أخرى، ولذلك لم يحس صحابته بأي حرجٍ في نقل الأحكام عنه، أو في إصدار أحكامٍ جديدةٍ في النوازل التي لم تكن في عهده [2] ، فكانوا يرجعون إلى السنة فيما يطرأ من الحوادث [3] ويُعْمِلون اجتهادهم للنَّهْل منها، فهي بمثابة الأرض بالنسبة للفلاح، وأساليب الاستنباط بمثابة الحرث، والأحكام بمثابة الثمرة. وهذا ديدن الفقهاء، فالمتأمل في كتب الفقه المُعْتنِية بالدليل، يجدها مليئةً بالأحاديث النبوية، ولا خلاف بينهم في أنها المصدر الثاني للتشريع، بل ويُحتاج في استخراج الأحكام إلى السنة أكثر من القرآن الكريم، كما يقول الأوزاعي:"الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب"، قال ابن عبد البر:"يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعًا للسنة، وتركت السنة موضعًا للرأي" [4] ، وقال يحيى بن أبي كثير:"السنة قاضيةٌ على الكتاب وليس الكتاب قاضيًا على السنة" [5] ، وسئل الإمام أحمد عن هذا الأثر فقال:"ما أَجْسُر على هذا أن أقوله"، ولكني أقول:"إن السنة تفسر الكتاب وتبينه" [6] ، فالقرآن والسنة يعملان معًا في تنسيقٍ كاملٍ [7] . وبقدر ما يكون مع الفقيه من الأحاديث حفظًا وفهمًا، بقدر ما يكون مبَرَّزًا في نقل
(1) السنة تشريعٌ لازمٌ ودائمٌ، لفتحي عبد الكريم، ص 93 - 94.
(2) للمزيد راجع: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، لمصطفى السباعي، 1/ 49.
(3) أنظر: الرد على من ينكر حجية السنة، لعبد الغني عبد الخالق، ص 478.
(4) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، 2/ 1193 - 1194.
(5) السنة، للمَرْوَزِي، ص 33.
(6) جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، 2/ 1194.
(7) السنة المفترى عليها، لسالم البهنساوي، ص 324.