والحماسة الزائدة، وهو درسٌ تطبيقيٌّ في فقه الموازنات؛ ولو اسْتُغِلَّت مثل هذه الدروس التاريخية لَتَمَّ تفادي العديد من التَّطاحنات والشجارات التي شَقَّت عصا المسلمين وشَرذمت الصف الإسلامي، في ظل هذه النوازل التي تعصف بالشعوب، وتدمي القلوب، وتنشر العداء وتهرق الدماء؛ فما أحوجنا فيها لسياسة شرعية مستندة للنصوص والفوائد التاريخية!
3 -الناسخ والمنسوخ [1] :
نزلت بعض النصوص الشرعية في فترةٍ معينة، ثم أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنسخها، وفي النسخ حكمٌ وعبرٌ لا يسع المحل لذكرها، لكن ما يهمنا هنا هو أن المجتهدين الذين يُدْعون للنوازل، يُشترط فيهم معرفة الناسخ والمنسوخ، وهذا العلم يعتمد على التاريخ؛ لأن التعارض الموهوم [2] بين النصوص يحتاج لطرق الترجيح إذا تعذر الجمع، ومن بين مسالك الترجيح عدم الاحتجاج بأحد النصين لكونه منسوخًا، واعتماد معارضه لكونه ناسخًا، ولا يتأتى ذلك إلا بعد علم المجتهد بأن أحد النصين متقدمٌ والآخر متأخر، وهنا يتجلى دور التاريخ، قال محمد الحازمي:"وإن لم يمكن الجمع، وهما حكمان منفصلان نظرت: هل يمكن التمييز بين السابق والتالي؟ فإن تميز أوجب المصير إلى الآخر منهما [3] " [4] .
وعلى هذا فإن المجتهد إذا كان أمام نازلة وجد فيها نصين ظاهرهما التعارض وهو لا يعلم بأن أحدهما منسوخ سيقع في الإشكال، وربما يَهِم في الحكم، لكنه لو علم تاريخ النصين وأن المتأخر نسخ المتقدم، لأسقط النَّصَّ المنسوخَ وعَمِل بالناسخ مُنْزِلًا إياه على النازلة.
4 -دراسة الأسانيد:
(1) النسخ: الإزالة؛ نسخت الشمس الظل. والنقل، نسخت الكتاب، ونسخت النحل. وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، محمود بن عبد الرحمن شمس الدين الأصفهاني، 2/ 489، المحقق: محمد مظهر بقا، (مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي/دار المدني: جدة- السعودية، الطبعة الأولى، 1406 هـ/ 1986 م) .
(2) لأن النصوص الشرعية الثابتة الصحيحة لا تتعارض، وإذا انقدح في الذهن شيء من ذلك فليتهم الأنسان عقله لقصوره عن إدراك الحقيقة، قال ابن تيمية رحمه الله:"والنصوص لا تتعارض في نفس الأمر، إلا في الأمر والنهي، إذا كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، وأما الأخبار فلا يجوز تعارضها". انتهى. درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، 5/ 231، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1411 هـ - 1991 م) .
(3) ويستمر قائلا:"ويعرف ذلك بأمارات عدة منها:"
أن يكون لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - مصرحا به نحو قوله - عليه السلام: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها.
أو يكون لفظ الصحابي ناطقا به، نحو حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.
ومنها: أن يكون التاريخ معلوما نحو ما رواه أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله إذا جامع أحدنا فأكسل؟ فقال النبي: يغسل ما مس المرأة منه، وليتوضأ ثم ليصل.
هذا حديث يدل على أن لا غسل مع الإكسال، وأن موجب الغسل الإنزال، ثم لما استقرأنا طرق هذا الحديث أفادنا بعض الطرق أن شرعية هذا كان في مبدأ الإسلام، واستمر ذلك إلى بعد الهجرة بزمان.
ثم وجدنا الزهري قد سأل عروة عن ذلك فأجابه عروة أن عائشة - رضي الله عنها - حدثته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك ولا يغتسل. وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل". انتهى. الناسخ والمنسوخ من الآثار، أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، ص: 8، (دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الطبعة: الثانية، 1359 هـ) ."
(4) المرجع نفسه.