فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 52

وقِسْناها عليها، ولذلك نجد الخطباء والوعاظ لا ينفكون عن ربط الناس بهذه النصوص، كلما اسْتَجدّ لهم مُستجدّ يستدعي ذلك.

وحاصل الأمر أن القصص التي حكاها لنا القرآن عن أقوامٍ عاشوا في أزمنةٍ تاريخيةٍ مختلفة، تُنْبِئ عن عواملَ مشتركةٍ بين هذه القصص وأولئك الأقوام، يمكن استثمارها في الحكم على النوازل التي تَعرض لنا ولمن سيأتي بعدنا إن شاء الله، وفي هذا رد على من يقول بتاريخية النص القرآني [1] .

2 -السيرة والتاريخ الإسلامي:

أرسل الله جل وعلا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - للبشرية جمعاء، وإذا لم يكن هذا الرجل أُنموذجا يحتذى به في كل زمان ومكان، فكيف سيكون خاتم الأنبياء والرسل؟ وكيف ستكون شريعته ناسخةً لما قبلها من الشرائع؟ وكيف سيتحقق قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [2] .

وعلى هذا، يمكن اعتبار السيرة النبوية مجالًا لاستنباط الأحكام الشرعية، وبعبارة أخرى: فالفترة التاريخية التي عاشها النبي - صلى الله عليه وسلم -، يمكن استثمار أحداثها في استنباط أحكام النوازل التي يلاقيها الناس في كل الأزمنة والأمكنة.

وما قيل عن السيرة النبوية، يُقال عن التاريخ الإسلامي، فهو خزان لا يستهان به من الحوادث التي يمكن تحليلها ودراستها للخروج بخلاصاتٍ يُمكن الاستعانة بها من طرف النوازليين للبث فيما يطرح عليهم من مستجدات.

وها هو صلح الحديبية [3] ، الحدث التاريخي الذي تصرف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة الباهرة والحصافة العجيبة، يُعتبر مثالا يحتذى به لضبط النفس، واحتواء المشاعر

(1) ملخص ادعائهم أن القرآن نزل في فترة تاريخية معينة انتهت صلاحيته بانتهائها.

(2) سورة الأحزاب: الآية 21.

(3) خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية يريد زيارة البيت، وبعث عثمان بن عفان إلى مكة يعلمهم أنه لا يريد قتالا، فبلغه أن عثمان قتل، فبايع الناس وقال لا نبرح حتى نناجزهم، ثم بلغه أن ذلك باطل، ثم صالحه سهيل بن عمرو أن يرجع عامه ذلك ويرجع عاما قابلا. انتهى. مقتبس بتصرف من تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط، ص 81 - 82، تحقيق: أكرم ضياء العمري، (دار القلم/مؤسسة الرسالة: دمشق/بيروت، الطبعة الثانية، 1397 ه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت