روى الخطيب البغدادي بسنده إلى سفيان الثوري أنه قال:"لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ" [1] ، فالتاريخ يُفِيد فِي كشف التَّدْلِيس، وَيُبطل الدَّعْوَى الكاذبة [2] ، وبما أن الفقيه يحتاج غالبا لعلم الحديث في حكمه على النوازل، فإنه يضطر في الحكم على الأحاديث لتصحيحات وتضعيفات المحدثين، أو يجتهد في إدراك ذلك بنفسه، أو إلى الترجيح عند اختلاف المحدثين؛ هذه العمليات تحتم عليه معرفة ولو موجزة بدراسة الأسانيد.
إن دراسة الأسانيد تحتاج للتاريخ لاختبار الاتصال بين الرواة، فقد يروي الراوي حديثا وهو في الواقع لم يسمع ممن ادعى أنه روى عنه، بحيث يكشف التاريخ عن ذلك، ويُثبت أن الراوي وُلِد بعدما توفي مَنْ روى عنه، مما يؤكد استحالة السماع وانقطاع السند ثم ضعف الحديث، ومن ذلك ما ذكره عبد الرحمن المعَلِّمي رحمه الله: {فالسمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عُيَيْنَة وأن ابن الصلت افتضح في روايته عنه أنه قال:"سمعت ابن عيينة"فإن ابن عيينة مات سنة 198 ه، والمسلمون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان} [3] . يقصد رحمه الله أن ابن الصلت نسب سماع السمسار لابن عيينة في حين أن السمسار ولد بزمن بعد وفاة ابن عيينة، ولذلك ذكر المعلمي أن ابن الصلت افتضح، وما كان ذلك إلا بسلاح التاريخ.
فالتاريخ مهم في دراسة الأسانيد، ودراسة الأسانيد والمتون هي السبيل إلى الحكم على الأحاديث، والخطأ في الحكم يؤدي إلى خطأٍ في الاستدلال بالحديث، مما يَنتج عنه خطأٌ في الحكم الفقهي على النازلة، معنى ذلك أن بناء الحكم الفقهي للنازلة على حديث ضعيف يؤدي إلى الوهم في الحكم عليها؛ أي أن تجاهل التاريخ في الحكم على السند قد يجعل الحديث الضعيف صحيحا، ومن ثم فمن استدل به في الحكم على النازلة سيخطئ لا محالة، لأن الفقيه بحكم بشريته قد يخطئ في الحكم على الحديث، بحيث يظنه مقبولًا، وهو في الواقع مردود لا ينتهض إلى درجة الاحتجاج [4] .
(1) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص 119، تحقيق: أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، (المكتبة العلمية: المدينة المنورة- المملكة العربية السعودية) .
(2) رسوم التحديث في علوم الحديث، أبو إسحاق إبراهيم الجعبريّ، ص 202، تحقيق: إبراهيم بن شريف الميلي، (دار ابن حزم: بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م) .
(3) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، عبد الرحمن المعلمي، 1/ 399، مع تخريجات وتعليقات: محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش - عبد الرزاق حمزة، (المكتب الإسلامي: بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، 1406 هـ - 1986 م) .
(4) للمزيد حول الموضوع يرجع لرسالتي في الماجستير تحت عنوان:"أثر الأخطاء الحديثية على الأحكام الفقهية"، تحت إشراف الدكتور صلاح عبد التواب سعداوي، جامعة المدينة العالمية، كلية العلوم الإسلامية - قسم الفقه، لم تطبع بعد.