الفرع الثاني: الخيارات في البيوع.
يَعْرِض لبعض المعاملات حصول الضرر لأحد المتعاقدين، سواء بقصدٍ أو بغير قصدٍ، ولذلك شرع الإسلام ما يسمى بالخيارات التي تُمكِّن المتضرر من جبر الضرر واسترجاع الحق، بل وتعطي بعضُ الخيارات فسحةً للمتبايعين قبل إبرام العقد؛ فالخيار هو طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الإلغاء [1] أي هو التخيير بين الفسخ والإجازة [2] ، ومناسبة ذكره هاهنا، هو التوطئة لمعرفة الخيار الذي يملكه من اعتُدي عليه باسم الدين في عقدٍ تجاريٍّ، ولذلك قال الكاساني رحمه الله:"وأما البيع الذي فيه خيارٌ فلا يمكن معرفة حكمه إلا بعد معرفة أنواع الخيارات" [3] .
المبحث الأول: توصيف الظاهرة.
الأصل أن المتدينين يحظون بالاحترام، لأن الناس جُبلوا على الارتياح لذوي السَّمت الديني الملتزم؛ وبما أن المتبايعِين يَتوقون للثقة والطمأنينة، فإن المتعاقد الذي عليه سَحَنَة التدين يُعتبر عرفًا أَوْلى بالقبول من غيره؛ إلا أن بعض مرضى القلوب استغلوا هذه الميزة للنصب والاحتيال على الناس، فأرْخَوا لِحاهم وقصَّروا ثيابهم وكحَّلوا أعيُنهم، لا لِأَجْل السُنة والاقتداء، وإنما لأجل الغش والاعتداء؛ بحيث إنهم بعيدون عن الالتزام كل البعد، لكنهم انتحلوا شخصية الملتزم لبلوغ مآربهم الجشعة وتحقيق أطماعهم المالية. في حين أن الصحابة رضوان الله عليهم استغلوا التجارة في تبليغ الإسلام فكان الرجل الواحد منهم يتاجر في منطقةٍ فيُسْلم أهلها لِما يَرَوْن عليه من حسن الخلق ومن الصدق والأمانة، قال علي جريشة:"لا يستطيع مؤرِّخ أن يغفل دور التجار المسلمين، وقد كانت معاملاتهم وأخلاقهم خير سبيلٍ للدعوة بين الناس" [4] .
المطلب الأول: صور المشكل.
لمَّا ساءت سريرة بعض ضعاف النفوس، لَجَأُوا للتستر وراء مظهر التدين لكسب المال، واتخذوه سُلَّمًا يرتقون به في قلوب الناس الذين يَبْنون على الثقة وحسن الظن بمن هذه حاله، لِما استقر في أنفسهم من احترامٍ كل ما يَمُتُّ إلى الدين بصلةٍ، قال محمد بن سعود الجذلاني [5] :"وقد أخذت هذه المشكلةُ [6] صورًا"
(1) فقه السنة، لسيد سابق، 3/ 109.
(2) تحفة الفقهاء، لمحمد بن أحمد السمرقندي، 2/ 67.
(3) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، 5/ 261.
(4) حاضر العالم الإسلامي، لعلى جريشة، ص: 182.
(5) القاضي السابق في ديوان المظالم، محام حاليا، له العديد من المشاركات الإعلامية.
(6) يقصد التجارة باسم الدين.